محمد عبدالرحمن زغلول

حسني الزاهد.. سكينة العارف

الإثنين، 06 أبريل 2026 05:52 م


كانت خيوط النهار تنسدل في هدوءٍ مهيب، كأنها ستار يُسدل على مشهد لا تُعرف نهايته، وغابت معها آخر بقعة نور، تاركة القلب عاريًا أمام تساؤلاته، والعقل أمام احتمالاته.

كنتُ أمسك هاتفي بيدٍ قلقة، لا أعرف سر هذا القلق، لكن شيئًا في داخلي كان يرتجف، كأن الروح تستشعر ما لم يقع بعد، أو تتهيأ لاستقبال وجعٍ مؤجل.. كنتُ صامتًا طوال اليوم، صمتًا لا يشبه الراحة، بل يشبه انتظار شيء لا أعرف ملامحه.

وفجأة، مرّ أمام عيني منشور، كقدرٍ مكتوب، سقط عليّ كالصاعقة، فهدم ما تبقى من سكوني: "البقاء لله.. توفي المهندس حسني الزاهد، والد الزميلتين رانيا وريم الزاهد".

تلقيت الخبر، ولم أشعر بشيءٍ في البداية، أو لعل الشعور كان أعمق من أن يُدرك في لحظته.. تبلّد خفيف.. كأن العقل ينكر، رحمةً بالقلب.

لم أكن قد التقيت الرجل من قبل، وإن كانت تلك رغبة مؤجلة، وأمنية باتت الآن مستحيلة... كل ما عرفته عنه كان حكايات متناثرة، وصورًا عابرة، لكنه في عينيّ—كما في عيون ابنتيه—لم يكن مجرد أب، بل كان معنى: حبهما الأول، وفارس أحلامهما، وصورة الرجل كما ينبغي أن يكون.

في كل مرة كان اسمه أو سيرته تمر عليّ، كنت أتخيله درويشًا، زاهدًا اسمًا وفعلاً.. والغريب أن الفقد لم يكن غريبًا.. رغم أننا لم نلتقِ، ولم نتحدث، ولم تتقاطع طرقنا يومًا، ومع ذلك كان له في داخلي مكان لا أعرف كيف تكوّن، ومحبة لا أعرف متى تسللت.. عرفته من أثره.. من حضوره في عيون ابنتيه، ومن الحكايات التي كانت تُروى عنه كأصلٍ من أصول المعنى، لا مجرد سيرة.

أعرف ريم، وأعرف قربها الذي يشبه البُعد، أو بعدها الذي يشبه القرب، حتى لم أعد أفرّق بينهما، وكأنها تسكن في موضعٍ لا تبلغه الخطى، لكن يبلغه الشعور.. وأعرف رانيا كملامح تمرّ في القلب دون استئذان، كأنها معرفة قديمة لم تكتمل.

أما هو، فلم أعرفه إلا كصورة تتشكل في الخيال كلما ذُكر اسمه.. وكانت الصورة تتكرر: درويش.. رجل خفيف على الدنيا، ثقيل في المعنى، يسير فيها كعابر يعرف أن الطريق ليس له.. وفي يوم رحيله، اكتملت الصورة.. كأن الموت لا يأخذ الإنسان فقط، بل يكشفه أيضًا.

لم يكن رحيلًا مفاجئًا.. بل عودة مؤجلة..

رحل في ديسمبر، بعد أن أتمّ عامًا كاملًا بين أحبته، كأنما كان يودّع الأيام واحدةً واحدة.. واختار الشهر نفسه الذي رحلت فيه زوجته قبل خمس سنوات، كأن الغياب ظلّ يناديه حتى أجاب.. واختار اليوم العاشر.. يوم الاكتمال، كما اكتملت الليالي لموسى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾.. كأن الرحلة انتهت، وبقي الصمت.

كان زاهدًا.. لا بالاسم فقط، بل بالحضور.. حتى أسماء بناته كانت تشير إليه: "ريم، ورانيا".. كأنها تخرج من نبعٍ واحد؛ الراء.. رحمة، روح، ورضا.

حين سمعت الخبر، كنت أفكر: ماذا يحدث للبيت حين يغيب عموده الأخير؟ هل تسقط الجدران، أم تبقى واقفة على ذكرى اليد التي رفعتها؟.. كنت أسمعه في داخلي يقول: "هتعملوا إيه من بعدي؟" كأنها وصية خفية يقول فيها: "تمسّكوا ببعضكم.. فالحب وحده ما يبقى".

في اليوم التالي، ذهبت.. لا لأودّعه فقط، بل لأشهد ما لم أشهده في حياته.. ذهبت إلى رجلٍ لا يعرفني، لكنني شعرت أنني أعرفه بما يكفي لأمشي خلفه في رحلته الأخيرة.

كان كل شيء سريعًا.. كأن الزمن فقد ثقله.. الغُسل، الصلاة، الحركة.. وكأن الروح إذا اشتاقت، اختصرت الطريق.. تحركنا نحو بلبيس، والمسافة تتلاشى، والزمن ينكمش.. وقبل أن نصل، بدا المشهد كأنه رؤيا: زحام لا يُفسَّر، وجوه لا تُحصى، كأن المدينة خرجت كلها لتقول وداعًا واحدًا.

كان المسجد "سادات قريش" أول مساجد الإسلام في إفريقيا.. اسم يحمل تاريخًا، ومشهد يحمل معنى.. ابتسمت لا لشيء، إلا لأن المصادفات أحيانًا تشبه الرسائل.. ومع كل دقيقة، كانت الرؤية تتسع، وتذكرت قول الفاروق: "إنها القلوب يا علي، إذا صفت رأت".

حين أُدخل الجسد إلى اللحد، ساد صمت ثقيل.. وقف شيخ.. لم يكن يخطب، بل يتلو شهادته عن صديقه.. لم تكن كلماته دعاءً معتادًا يُقال في مثل تلك اللحظات، بل وداعًا يليق بدرويش.. قال بصوتٍ مكسور: "كنت أحب المهندس حسني، وكان يحبني"، ثم سكت، كأن الكلمات أثقل من أن تُقال، وتابع: "وقبل أيام، أوصاني أن أصلي عليه إن جاء أجله".

في تلك اللحظة، انهمرت دموعي.. لا حزنًا عليه فقط، بل على كل ما لم يُعش، وكل ما لن يعود.

رحل الرجل وهو يصلي.. كأن آخر صلته بالدنيا كانت صلته بالله.. وكانت آخر كلماته لابنته ريم الزاهد، "أم أبيها"، كما كان النبي ﷺ ينادي فاطمة.. ثم سجد.. ولم يرفع رأسه.

هكذا يمضي من خفّ حمله، وهكذا تُكتب الخواتيم التي تشبه أصحابها.. رضي الله عنه.. ورضي هو، في هدوء العارفين، عمّا قسمه الله له.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة