كشفت اعترافات القيادي الإرهابى على عبد الونيس عن واحدة من أخطر الأدوات التى تعتمد عليها الجماعة الإرهابية فى استقطاب الشباب، وهى ما يُعرف بـ"التجنيد الناعم"، ذلك الأسلوب القائم على الخداع التدريجى والتأثير النفسى بدلًا من المواجهة المباشرة.
وأوضح "عبد الونيس" خلال اعترافاته، أن الجماعة لم تعد تلجأ إلى الطرق التقليدية فى التجنيد، بل طورت آلياتها لتواكب طبيعة العصر الرقمى، حيث تبدأ عملية الاستقطاب عبر محتوى يبدو عاديًا أو إنسانيًا، يهدف فى المقام الأول إلى جذب الانتباه وكسب ثقة المتابع، دون إثارة أى شكوك.
وأشار إلى أن هذا المحتوى يحمل فى ظاهره طابعًا خدميًا أو اجتماعيًا، لكنه يكون مدخلًا لتمرير رسائل تدريجية تحمل تشكيكًا فى الواقع، أو تروج لروايات مشوهة تستهدف ضرب الثقة فى مؤسسات الدولة، تمهيدًا لتغيير قناعات المتلقى.
وأكد أن الجماعة تستغل القضايا الاجتماعية والاقتصادية كوسيلة للنفاذ إلى عقول الشباب، حيث تقدم نفسها فى صورة المدافع عن حقوق المواطنين، بينما الهدف الحقيقى هو استقطاب عناصر جديدة وضمها إلى دوائرها التنظيمية.
وأضاف "عبد الونيس" في اعترافاته أن مرحلة التفاعل العلنى تمثل فقط البداية، إذ يتم بعد ذلك نقل التواصل إلى الرسائل الخاصة، حيث تبدأ مرحلة أكثر خطورة، يتم خلالها تقديم أفكار متطرفة بشكل تدريجى، مع محاولة عزل الشخص عن أى مصادر معلومات مخالفة، بما يضمن السيطرة الكاملة على طريقة تفكيره.
وأوضح أن هذه العملية لا تتم بشكل عشوائى، بل تخضع لتخطيط دقيق، يعتمد على دراسة سلوك المستخدمين واهتماماتهم، واختيار التوقيت المناسب للتواصل، ما يجعل عملية الاستقطاب أكثر فاعلية وأقل وضوحًا.
وأشار إلى أن فئة الشباب تمثل الهدف الرئيسى لهذه الاستراتيجية، نظرًا لكونهم الأكثر استخدامًا لمواقع التواصل الاجتماعى، والأكثر تفاعلًا مع المحتوى العاطفى، وهو ما تستغله الجماعة بشكل ممنهج.
وفى السياق ذاته، سلط مسلسل "رأس الأفعى" الضوء على هذه الآلية، من خلال تجسيد كيفية بناء علاقات تدريجية مع الشباب عبر الإنترنت، تبدأ بتواصل بسيط، وتنتهى بمحاولات استقطاب منظمة، بما يتقاطع مع ما كشفته الاعترافات.
وتكشف هذه المعطيات أن الجماعة تعتمد على التلاعب النفسى كأداة رئيسية فى التجنيد، مستغلة الفضاء الرقمى كبيئة خصبة لنشر أفكارها، وهو ما يجعل هذه الظاهرة أكثر خطورة وصعوبة فى الاكتشاف.
وتؤكد هذه الوقائع أن مواجهة هذا النوع من الاستقطاب تتطلب رفع مستوى الوعى، خاصة بين الشباب، بخطورة ما يُنشر عبر السوشيال ميديا، وضرورة التحقق من مصادر المعلومات، وعدم الانسياق وراء المحتوى المضلل، الذى قد يبدو فى ظاهره بريئًا، بينما يحمل فى مضمونه أهدافًا مشبوهة.