في زحام الحياة اليومية، وتحت وطأة الضغوط الاقتصادية المتزايدة، تشهد الأسرة المصرية والعربية تحولاً بنيوياً صامتاً ولكنه بالغ الخطورة. هذا التحول لا يتعلق بشكل الأسرة الخارجي، بل يضرب في صميم أدوارها الداخلية، وتحديداً في مركز "الأب". لقد تراجع دور الرجل في كثير من البيوت من كونه "المُربي، والقدوة، وصمام الأمان العاطفي"، ليتقلص وينحصر بمرور الوقت في دور "المُمَوِّل" أو "ماكينة الصراف الآلي" التي تقتصر مهمتها الأسمى على تلبية الاحتياجات المادية ودفع الفواتير والمصروفات المدرسية.
لم يحدث هذا التآكل في دور الأب فجأة، بل هو نتاج طبيعي لتغول الثقافة الاستهلاكية وتوحش المتطلبات المادية للحياة المعاصرة. لقد وجد الأب نفسه محاصراً في سباق مجتمعي لا ينتهي لتأمين مستوى معيشي لائق لأبنائه، مما اضطره للعمل لساعات أطول، أو الانخراط في أكثر من وظيفة، أو حتى السفر والاغتراب. النتيجة الحتمية لهذا الركض المستمر هي "الغياب المعنوي"؛ فالأب قد يكون حاضراً بجسده داخل جدران البيت لسويعات قليلة، لكنه غائب بوجدانه وتفاعله، مستنزف الطاقة، وفاقد للقدرة على الإنصات أو التوجيه أو حتى المشاركة في التفاصيل اليومية البسيطة لأبنائه.
هذا الغياب الأبوي يلقي بظلاله الثقيلة والقاسية على الطرف الآخر في المعادلة، وهي "الأم". تجد الزوجة نفسها مجبرة على سد هذا الفراغ المزدوج، فتتحمل أعباء الرعاية العاطفية والتربوية، وتضطلع في الوقت ذاته بدور "السلطة والحزم" الذي كان منوطاً بالأب. هذا الخلل في توزيع الأدوار يخلق حالة من الإرهاق النفسي والبدني الشديد للأم، ويؤدي إلى توترات زوجية صامتة ومريرة، حيث تشعر الزوجة أن شريكها قد انسحب فعلياً من مشروع التربية، مكتفياً بضخ الأموال، وكأن بناء الإنسان مجرد سلعة تُشترى وليس عملية تفاعلية معقدة.
أما الضحية الأكبر لهذا التحول المجتمعي فهم "الأبناء". إن تقزيم دور الأب في خانة "الممول" يحرم الأبناء من نموذج "القدوة الذكورية" المتزنة، ويخلق لديهم فراغاً نفسياً كبيراً لا يملؤه أحدث هاتف محمول ولا أغلى ملابس. الأب في التربية السليمة ليس مجرد مصدر للمال، بل هو قانون الأسرة، والبوصلة التي تضبط إيقاع السلوك وتمنح الشعور الحقيقي بالأمان والظهر الساند. وحين يغيب هذا الدور الفعّال، يبحث المراهقون عن بدائل أخرى لاستمداد قيمهم وتوجهاتهم، وغالباً ما يجدون ضالتهم في خوارزميات السوشيال ميديا أو أصدقاء السوء، مما يعرضهم للتشوه القيمي والهشاشة النفسية التي نلمسها بوضوح في أجيالنا الحالية.
إننا في أمس الحاجة إلى "صحوة أسرية" تعيد صياغة مفهوم "الأبوة" في وعينا المجتمعي. نعم، توفير الاحتياجات المادية أمر بالغ الأهمية وواجب أصيل، لكنه لا يمكن أبداً أن يكون بديلاً أو تعويضاً عن الحضور الإنساني. الأبناء في النهاية قد ينسون كم أنفقت عليهم من أموال، لكنهم لن ينسوا أبداً الوقت الذي قضيته معهم، ولا الحوار الهادئ الذي دار بينكم، ولا الدعم النفسي الذي قدمته لهم في لحظات انكسارهم. إن استعادة دور الأب الفعال والداعم هي حجر الزاوية لحماية بيوتنا من التفكك، وبناء جيل سوي قادر على مواجهة تحديات المستقبل.