حازم حسين

مفارقة قورش ومأزق ما بعد الحرب

الأحد، 05 أبريل 2026 02:00 م


كلاهما خاسر؛ غير أن خسارة الأضعف أكبر، وأشدّ تأثيرا. حتى إن بدا مُلتصقا بالجدار، وليس لديه ما يخسره، أو أنه اختبر شظف العيش؛ فصار أقدر من سواه على الاحتمال!

فوارق القوّة واضحة، وضخمة للغاية. على أن الولايات المُتحدة غير قادرة على الحسم حتى الآن، وليس بمستطاع إيران الصمود للأبد.

خلاصة الجولة الراهنة؛ أنه لا مجال للاستمرار، ولا بديل عن التوقف؛ إنما ليس على توازنات ما قبل الحرب، ولا بإعادة إنتاج صيغة المُساكنة بين واشنطن بطهران منذ إرساء نظام الثورة إلى الآن.

تؤكد الممارسة العملية محدودية الخيارات الخشنة؛ فيما الطرفان غير جاهزين للدبلوماسية، أو يسعى كل منهما لترتيب الطاولة بما لا يُلائم الآخر.

لن يقتسما الهزيمة؛ ويعجزان معا عن احتكار سردية النصر.

أما الحديث عن أزمة الجمهورية الإسلامية؛ فمردّه للسياسة بأكثر من الميدان.

فإذا كانت مُعادلة القتال محسومة سلفًا، ولو طال الأمد؛ فإن حسبة «اليوم التالى» أكثر تعقيدًا، داخليا ومع الخارج أيضًا.
بدأ التصعيد من فوران شعبى، وسينتهى إليه بعدما تبرُد الجبهة.

المجتمع مأزوم، ويحمل على كتفيه إرث خمسة عقود من التطرف والشمولية والفشل، ولديه أحلام مُجهضة، وواقع لا يُشبه إمكاناته وما يليق بالبلاد والعباد.

والجوار على أطراف أصابعه، كان يعرف أن الحياة على مقربة من امبراطورية دارسة عملاً شاقا.

لا سيما إن كانت الشوفينية تتسلّط على نفوس قادتها، وقد قادت أسلافهم إلى اللعب فى بنائها الروحى؛ لامتلاك قاعدة تضمن التمايز عن المحيط، وتوفر غطاء مذهبيا للفكرة العرقية الكامنة.

دلّل الملالى وجنرالاتهم على ما كان يهجس به الآخرون فى سرّهم، ولا يُصرّحون لحسابات سياسية ونفسية.

أى أن إيران أصبحت خطرًا حقيقيا على ضفة الخليج المقابلة، كما كانت مع بلاد الرافدين، ومن قبلها وبعدها فى الشام واليمن.

والخُطورة تتدرّج على مقياس صاعد، بدءا بالمقدرة؛ ثم النوايا؛ وأخيرا القفز على الخطوط الحُمر للاستخدام.

إسرائيل طامعة فى الهيمنة الإقليمية، ولديها عوامل القوّة اللازمة، ولا تُضمر أطماعها؛ غير أن النظر إليها من عواصم الخليج، غير ما هو من دمشق أو بيروت ودول الطوق.

بالنسبة لبلادٍ بعيدة نسبيًّا، ولا تجمعها حدود مُشتركة مع فلسطين؛ فخصومتها للاحتلال تتّصل بالقضية حصرًا، ولم تتعرّض لأذى مباشر؛ مهما استفضنا فى حديث الأمة والخريطة الواحدة.

وعليه؛ فالخشية تنسحب تلقائيا على العدو القريب، بعُقدة القرب؛ ثم لأنه أظهر العداوة علنًا، ومارسها فعليًّا. وإن علِمَتْ بمؤامرة البعيد؛ فالأولوية للبندقية المُلتصقة بالرأس.

مضت الحرب إلى أسبوعها السادس، ولا حلول فى مجال النظر.

وبقدر ما لا يُنكَر مأزق ترامب فى مُنازلة جُرَّ إليها ولا يستطيع إنهاءها؛ فالمُرشد وحرس ثورته فى وضع أصعب. والردّ مهما تصلّب وأثمر شكلاً؛ فإنه يُطيل الاستنزاف ولا يُغير المآلات.

لطهران ذاكرة مُتّقدة، ولا تنسى أنها تربّحت من الولايات المتحدة أضعاف سواها.

فازت بإسنادها فى الحرب العراقية، وأخرجتها من لبنان بعد تفجير السفارة وثكنة المارينز، لتحل محلّها لاحقا، وتمدّدت فى سوريا تحت بصرها، وقبلها سرحت فى شرايين بغداد بإقرارٍ وتسليم أمريكيين.

وفضلا على طمعها فى التكرار؛ فلن تُضحى بمكاسب العقود السالفة، وقد أُنفِقَت عليها مواد ضخمة، وتُمثّل أصلاً ثابتا للدولة الدينية، وحجر ارتكاز لنظامها وأيديولوجيّتها.

أما واشنطن؛ فالنووى لا يزعجها بالدرجة التى صوّرتها، ولم تأت لانتشال إيران من مُستنقع الفقهاء، ولا دفاعا عن الشعب وانتصارا للديمقراطية.

حدث كل شىء أمام عينيها، وقد دُفِعَت لحلبة الرقص بخديعة أو ابتزاز من نتنياهو، ولأغراض ومصالح تخصّ اليمين المتطرف فى إسرائيل، بطيفيه التوراتى والقومى.

فكأنها مواجهة دينية قُحّ؛ حتى لو لم نرَ المشاهد البائسة لرُقية سيد البيت الأبيض فى مكتبه، أو حديث حلقته الضيقة عن هرمجدون وعودة المسيح.

سياسة تختبئ تحت عباءة النصوص، ويبدو أنها تستعيد أساطير الماضى لتفرضها على الحاضر.

هدّد ترامب بإعادة دولة الفُرس إلى العصر الحجرى؛ فكان الردّ من وزير الخارجية الإيرانى الأسبق شديد الغرابة والدلالة فى آن.

نشر جواد ظريف مقالا عاقلا فى «فورين أفيرز» يدعو بلاده لعرض تقييد برنامجها النووى وفتح مضيق هرمز؛ لقاء وقف الحرب ويرفع العقوبات، ويوفر ضمانات تبدأ باتفاق عدم اعتداء، وتمتد إلى المصالح وشراكة الاقتصاد.

لكنه فى مواجهة التهديد، تخلى عن عقلانية يُدان بها داخليا، ويُوصَف بأنه من «صبيان نيويورك»؛ لينشر خارطة عُمرها يتخطّى 25 قرنا، تمتد على كُتلة ضخمة من آسيا وأفريقيا وأطراف أوروبا.

بدأت الإمبراطورية الإخمينية بالقرن السادس قبل الميلاد، وعاشت 220 سنة.

أسسها قورش مُنطلِقًا من ثورة دينية، زرادشتية ضد المجوسية، وهو الذى أنهى السبى البابلى، وأعاد اليهود للقدس، ومكّنهم وعمّر هيكلهم بعد خرابه.

مُفارقة مدهشة، أن يُغرق ابن الحاضر فى ماضٍ بعيد، ويرفع الدبلوماسى سيف المقاتل. يتفاخر بالغزو حينما يتقصّد حديث الأصل والعراقة، وهو ما كانت تكفى فيه قطعة أثرية أو صورة قصر مهيب.

قامت الإمبراطورية على أنقاض الاعتقاد؛ حتى هدمها الاسكندر وورث تركتها. وتكررت لعبة النمذجة الدينية مع الصفوية، بتشييع دولة كانت سنّية.

إسرائيل الكبرى سردية ماضوية بائسة، وامبراطورية الفرس أيضًا. والحرب محاولة أكثر بؤسا من طرفين لا يختلفان كثيرًا؛ ولن تكون خطوة الحسم، ولا آخر جولات الصراع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة