لم يعد بإمكان أوربا الاعتماد كليا على الضمانات الأمنية الأمريكية، مما يعنى أنه يجب أن تمتلك القدرة على حماية المصالح الأوربية بقوات أوربية، يتطلب هذا المستوى الجديد مزيد من القدرات الحربية، هذا ما تعترف به الحكومات الأوربية ومعها الاتحاد الأوربي، ويقر تقرير ميونخ للأمن الذى صدر مؤخرا، أن العالم دخل مرحلة من سياسات الهدم ولكن ذهب إلى ما هو أبعد إلى التدمير الشامل، هذا المصطلح الذى استخدم فى التقرير إنما يؤشر على يأس أوربى تجاه سياسات الولايات المتحدة فى عهد دونالد ترامب، فبعد أكثر من 80 عاما على بدء البناء، أصبح النظام العالمى الذى قادته الولايات المتحدة بعد عام 1945 عرضه للانهيار، فضلا عن أنه فى العديد من المجتمعات الغربية تكتسب القوى السياسية التى تفضل هدم النظام الدولى على الإصلاح زخما متزايدا مدفوعة بالاستياء من المسار الليبرالى الذى سلكته مجتمعاتهم، تسعى هذه التيارات السياسية إلى هدم الهياكل التى تعتقد أنها ستمنع ظهور دول أقوى وأكثر ازدهارا، تستند أجندتها إلى خيبة أمل واسعة النطاق من أداء المؤسسات الديموقراطية وفقدان الثقة فى الإصلاحات الجادة وتصحيح المسار السياسي، فى دول مجموعة السبع التى شملها استطلاع مؤشر ميونخ للأمن 2026، نسبة ضئيلة فقط من المستطلعين تقول إن سياسات حكوماتهم الحالية ستجعل الأجيال القادمة أفضل حالا، وعلى الصعيدين المحلى والدولي، تعتبر الهياكل السياسية الأن مفرطة فى البيروقراطية والتدخل القضائي، وفى رأى المستطلعين أنه يستحيل إصلاحها بشكل أفضل، والساسة الأوربيين يرون أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أقوى من يقوض القواعد والمؤسسات القائمة، وبالنسبة لمؤيدية على طرفى الأطلسي، تعد سياسة واشنطن جرافة تكسر الجمود وتجبر الساسة على إيجاد حلول للتحديات التى تواجه بجمود السياسات والساسة، ليبقى السؤال لماذا تبدو القوى السياسية الداعية إلى الدمار بدلا من الإصلاح وكأنها تكتسب زخما ؟، ما هى تداعيات هذه السياسات على مستقبل أوربا ؟ فترامب يقوم بالهدم دون التفكير فى بديل قابل للتطبيق،و نهجه فى الأعتماد على رجال الأعمال يؤكد المنطق النفعى لنهج فى التعامل مع الحدود الراسخة بين السلطة العامة و المصالح الخاصة.
إن كل هذا يأتى فى وقت أعلنت فيه الولايات المتحدة أنها ستسلم القيادة المشتركة للحلفاء فى نابولى وقيادة القوات المشتركة فى نورفولك إلى القيادة الأوربية، وقبول الأوربيين هذا التسليم إقرار منهم بتقليص اعتمادهم على الولايات المتحدة، واكب هذا تزايد النظرة السلبية للرأى العام الأوربى تجاه الولايات المتحدة فوسائل التواصل الإجتماعى تعج بصور مولده بالذكاء الأصطناعى تظهر جيشا أوربيا موحدا يدافع عن القطب الشمالي.
أدى كل ما سبق إلى مزيج من فقدان الثقة، وتنامى الحماس لأوربا المستقلة عن الولايات المتحدة، رغم أن أوربا لا يزال أمامها طريق طويل إلا أن الأستثمارات المتأخرة فى إعادة بناء قاعدتها الصناعية والدفاعية تعوق استقلال القدرت الحربية الأوربية خاصة أنه سيظل على أوربا الأعتماد على خطط الحرب الأمريكية التى سيعنى الاستغناء عنها تكررا وتشتيتا مهدرا للموارد، لقد كان تكتل أوربا ضد الولايات المتحدة بشأن رغبة ترامب الأستيلاء على غرينلاند سببا فى توحيد كل الأوربيين على تناقضاتهم.
إن ما يثيره تقرير ميونخ للأمن الأخير من أسئلة يجعلنا نثير أسئلة موازية حول أمن الشرق الأوسط ؟
لعل أول وأهم تساؤلات التقرير: كيف يشكل العدوان الروسى المستمر والهجين المشهد الأمنى فى أوربا ؟
ما تأثير حالة اللايقين التى أحدثتها سياسة ترامب على القارة ؟
كيف سستعامل أوربا مع هذه التطورات سياسيا وماليا وأمنيا؟ -
السؤال الأخير هو الأصعب فلعقود إزدهرت أوربا تحت المظلة الأمنية الأمريكية مما سمح لها باعطاء الأولوية للتكامل والأزدهار على حساب قوتها العسكرية، أنتهى ذلك العصر، فقد قوضت روسيا أوهام السلام الدائم، وأصبحت أوربا مكشوفه لأول مرة بعجزها وقصورها العسكرى المزمن، ولم تعد الولايات المتحدة فى ظل البراغماتية الأمريكية تتحمل عبء النفقات الدفاعية عن أوربا، كما أنتهى مبدأ السلامة الأقليمية، لقد حطمت حرب روسيا لأوكرانيا الأمن الأوربي، وكشفت هشاشة بنية الأمن الأوربى أيضا، فى الوقت الذى بلغت فيه الحرب فى أوكرانيا وحشيتها، لم يبد الكرملين أى تراجع عن أهدافه، وفى ظل أنتهاء الحرب لا ضامن لحدود طموحات روسيا، فلا تزال روسيا فى حالة اقتصاد الحرب طبقا للموازنة الفيدرالية لعام 2025 وكذلك موازنة 2026.
إن ما تناوله تقريرميونخ للأمن بحذر شديد عدد من المسائل المتعلقة بالأمن العالمي، لكن أكثرها أهمية هو الشق المتعلق بالصين، فإذا كان الأنفاق الدفاعى الصينى فى عام 1989 لم يكن يتجاوز ثلث الإنفاق الدفاعى الأمريكي، فإنه الأن يتجاوز الأن الثلث، وتجاهر الصين بإمتلاكها أكبر أسطول وأكبر مخزون للصواريخ فى العالم، وذلك بالإضافة إلى تحديث قواتها التقليدية، مع خطط لزيادة عدد رؤسها الحربية من حوالى 600 رأس حربى إلى 1500 رأس حربى فى عام 2035، لذا لن تستطيع الولايات المتحدة مستقبلا مجابهة الصين فى أى حرب، فى الوقت الذى باتت فيه العديد من الحكومات الأوربية بحكم مصالحها مع الصين تقبل ضمنيا سيطرة الصين على تايوان.
كما أن الصين فى السنوات الأخيرة صعدت الحرب السيبرانية والمعلوماتية، وقامت بعدد من المناورات حول تايوان، لذا فإن موقف الولايات المتحدة من غزو الصين تايوان بات فى حقيقة الأمر هشا، وهذه ضريبة انفصال الجبهة الغربية ( الولايات المتحدة – أوربا ) وصعود الصين الذى ساهمت فيه أوربا حين نقلت أوربا والولايات المتحدة صناعاتها إلى الصين.
من هنا نرى أن التقرير الذى ينطلق من مركزية أوربا فى العالم المعاصر، يقدم رؤية شاملة للأمن العالمى من وجهة نظر أوربية، لذا فإن أوربا المعنية باستقرار الشرق الأوسط خاصة جنوب البحر المتوسط بات لديها هواجس حول هذا الأستقرار، فالأوربيين لا يحبذون أى حرب على أبوابهم، ومن هنا يبدو أنهم حريصين على إستقرار العديد من الدول ومنها ليبيا التى يرواح الصراع فيها مكانه نتيجة للموقف الأوربى المناهض للقلاقل.