أشرف العشماوى: الخيال عندى لا يناقض الواقع.. وجائزة الشيخ زايد تنتصر للفن.. والمشهد الروائى العربى أصبح أكثر تنوعا.. وعلى الكاتب أن يصدق ما يكتبه ويتعامل مع التفاصيل بعناية باعتبارها مفاتيح لقصص وحكايات

الأحد، 05 أبريل 2026 06:00 م
أشرف العشماوى: الخيال عندى لا يناقض الواقع.. وجائزة الشيخ زايد تنتصر للفن.. والمشهد الروائى العربى أصبح أكثر تنوعا.. وعلى الكاتب أن يصدق ما يكتبه ويتعامل مع التفاصيل بعناية باعتبارها مفاتيح لقصص وحكايات أشرف العشماوى

حاوره - أحمد منصور

 

فى حياة أشرف العشماوى تبدو المسارات وكأنها تسير على خطين متوازيين لا يلتقيان إلا فى منطقة خفية، منصة العدالة حيث يوزن الفعل بميزان القانون، ومنضدة الكتابة حيث يعاد تأويله بميزان الحكاية.

ومنذ أن بدأ رحلته فى النيابة ظل مشغولا بفهم الإنسان، وهو الشغف ذاته الذى قاده مبكرا إلى الكتابة منذ أواخر التسعينيات، قبل أن يعلن حضوره الروائى الأول بـ «زمن الضباع» عام 2010، فبين هذين العالمين، لم يكن التناقض عائقا، بل كان مادة خاما لرؤية أكثر عمقا ورحمة، كما لو أن القاضى فى داخله يفسح المجال للروائى كى يرى ما وراء الأحكام، وما بين السطور.

يقول أشرف العشماوى، وهو يستعيد لحظة وصول كتابه «مواليد حديقة الحيوان» إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد، إن الدهشة لا تفارقه أبدا، لأن الكاتب يظل يكتب فى عزلة، بلا يقين كامل بمصير نصه، هكذا يتقاطع صوته الإنسانى مع صوته الإبداعى، يقابله إيمان بأن الرواية تكذب بصدق، وأن الخيال إذا حمل جوهر الحقيقة استطاع أن يقنع القارئ ويخترق وعيه.

فى هذا الحوار، نقترب من عالمه الذى لا ينفصل فيه الواقع عن الخيال، ولا تنفصل المهنة عن الموهبة، حيث تتحول قاعات المحاكم إلى ظلال بعيدة داخل النص، وتتحول الشخصيات إلى كائنات متمردة تفلت من يد كاتبها، معلنة أن الحكاية كما يؤمن هى جوهر كل شيء، وأن الرواية حين تفقد قدرتها على الحكى. تفقد جمهورها وربما تفقد مبرر وجودها.

 

فى البداية.. كيف استقبلت خبر وصول «مواليد حديقة الحيوان» إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد؟

استقبلت الخبر بمزيج من الدهشة والامتنان العميق وكثير من الفرحة، الدهشة لأن الكاتب مهما بلغ من خبرة يظل يكتب فى عزلة، لا يملك يقينا حاسما بمصير نصه خارج ذاته، والامتنان لأن هذا العمل تحديدا خرج من منطقة شخصية شديدة الخصوصية وكان أقرب إلى اختبار داخلى لفكرة الشكل والمعنى فى ظل منافسة شرسة وقوية بجائزة عربية كبيرة متفردة فى النزاهة ولجان التحكيم وعلى مدار عشرين عاما لم تخذل القارئ فى اختياراتها لقوائمها.

جائزة تنتصر للفن ولا شىء آخر، والفرحة بالطبع بسبب وصول كتابى إلى هذه المرحلة المتقدمة، باختصار بدا لى الأمر وكأن النص وجد صداه فى مكان أبعد مما توقعت، وهذا فى حد ذاته مكافأة كافية.

 

ماذا تمثل لك هذه اللحظة على المستويين الشخصى والإبداعى؟

شخصيا هى لحظة تصالح مع الشك الذى يراودنى طوال الوقت فى جودة ما أكتبه، فأنا مثل أى كاتب يعيش دائما بين يقين الكتابة وشك التلقى، وهذه اللحظة تمنحنى قدرا من الطمأنينة المؤقتة.

أما إبداعيا فهى تأكيد على أن المغامرة فى الشكل بكتابة نوفيلات يربطها خيط مثل القصص القصيرة لأول مرة  ليست مخاطرة خاسرة بالضرورة، وأن القارئ والناقد معا يمكن أن يتقبلا التجريب الروائى إذا كان مبنيا على ضرورة فنية حقيقية.

 

إلى أى مدى ترى أن وصول العمل إلى هذه المرحلة يؤثر على تجربتك الأدبية؟

بصراحة لا أحب أن أتعامل مع الجوائز كمنعطفات حادة فى التجربة، لكنها بلا شك تترك أثرا قويا، لكن الأثر الحقيقى فى ظنى ليس فى دفع الكاتب لتغيير صوته، لكن ربما فى تعميق إحساسه بالمسؤولية تجاه هذا الصوت السردى الذى يكتب به، ربما تدفعنى هذه اللحظة إلى مزيد من الدقة لا إلى مزيد من الحرص، فالفارق بينهما كبير.

 

«مواليد حديقة الحيوان» يضم ثلاث روايات قصيرة.. لماذا اخترت هذا الشكل السردى تحديدا بدلا من الرواية الطويلة؟

لأن الفكرة نفسها كانت ترفض الامتداد وكنت على وعى بذلك من البداية،  فكل حكاية من الثلاث تحمل عالما مكثفا، قائما بذاته، لكنه فى الوقت نفسه يتجاور مع الحكايتين الأخريين داخل إطار رمزى واحد هو أن كل الصور خادعة، وأن الابطال فى الثلاث نوفيلات لديهم أحلاما بسيطة لكن الطريق إليها كان وعرا للغاية بسبب قيود المجتمع وتحولاته الصادمة، هذا الشكل الثلاثى أتاح لى أن أخلق ما يشبه المرايا المتقابلة، كل نص يعكس الآخر دون أن يذوب فيه.

مواليد حديقة الحيوان
مواليد حديقة الحيوان

العنوان لافت ومثير للتأمل.. ماذا ترمز «حديقة الحيوان» فى هذا السياق؟

حديقة الحيوان هنا ليست مكانا جغرافيا بقدر ما هى استعارة ومجازا، باختصار يمكننى القول إنها فضاء منضبط ظاهريا لكنه قائم على فكرة الاحتجاز والترويض، فالبشر داخل هذا العالم الروائى للنوفيلات الثلاث ليسوا أحرارا تماما كما يظنون، بل يتحركون داخل أقفاص غير مرئية، أقصد بالطبع قيود اجتماعية، نفسية، وربما تاريخية، أما كلمة «مواليد» هذا المكان فهم أولئك الذين لم يعرفوا الحرية خارج القفص وظنوا أنها المساحة المتاحة بين أسواره فقط، فصار القيد جزءا من تعريفهم لأنفسهم.

 

عملك يمزج بين الواقعية الدقيقة والخيال الفنى.. كيف تحقق هذا التوازن دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟

عند الكتابة أتعامل مع الواقعية بوصفها أرضا صلبة ومع الخيال بوصفه الفضاء الواسع الذى يسمح للنص بالتنفس، إذا فقدت الأرض تهت فى النص، وإذا فقدت الفضاء اختنقت الشخصيات، والسر ليس فى المزج بينهما بقدر ما هو فى ضبط  الإيقاع، بمعنى أوضح متى أقترب من التفاصيل اليومية الدقيقة ومتى أسمح للخيال أن يعيد تشكيلها لأن الخيال الروائى عندى لا يناقض الواقع لكنه يكشف طبقاته الخفية ويغلفه بلمحة فنية تعطيه بريقا مهما كان قبح الواقع فالمهم أن يراه القارئ بوضوح أمامه عبر قلم الكاتب الروائى .

 

إلى أى حد يمكن اعتبار العمل مرآة للتحولات الاجتماعية داخل المجتمع؟ وهل كنت تقصد توثيق هذه التحولات أم جاءت بشكل تلقائى؟

الصدق والإنسانية، كل عمل صادق هو بشكل أو بآخر مرآة لزمنه، حتى لو لم يقصد الكاتب ذلك، أنا لا أكتب بوصفى مؤرخ لكننى روائى يعتمد الخيال ويتأمل الواقع فيراه بصورة فنية، التوثيق مهم لأنه فى الفن أصدق من الجرائد، أيضا أنا لا أستطيع أن أعزل نفسى عن التحولات التى أعيشها وأراها فى مجتمعى وبالتالى ما يظهر فى النص هو انعكاس تلقائى لما يتراكم فى الوعى واللاوعى معا.

 

شخصياتك تبدو حية وقريبة من القارئ.. هل تعتمد فى بنائها على نماذج واقعية أم أنها تولد بالكامل من الخيال؟

فى ظنى أن الشخصية الروائية الجيدة تولد من منطقة وسطى، لا هى نقل حرفى من الواقع، ولا هى خيال خالص وإن كنت فعلت الأخيرة أحيانا كثيرة، ربما تبدأ من ملامح شخص حقيقي، ثم تنفلت منه لتأخذ طريقها الخاص وقد تكتسب من الخيال ما يجعلها أكثر صدقا من الأصل نفسه أحيانا، أو أكثر وضوحا على أقل تقدير .

 

برأيك.. هل يجب على الكاتب أن يعيش داخل البيئة التى يكتب عنها أم يمكن للبحث والقراءة أن يعوضا هذه التجربة؟

بالطبع لا بد أن يعيش قدر الممكن، لأن المعايشة تمنح التفاصيل الحسية التى يصعب تعويضها، لكن البحث مهم للغاية أيضا لأنه يمنح الرؤية الأوسع لكن لا يمكن الاستغناء عن عنصر مقابل أخر فالكاتب الجيد يعرف كيف يجمع بين الاثنين، ليس مطلوبا أن يعيش كل ما يكتبه بالتفاصيل فالخيال يساعد على سد النقص، لكن مطلوب من الروائى أن يصدّق ما يكتبه، وهذه مسألة تتجاوز المكان إلى القدرة على التخيّل العميق.

 

العمل يلامس «الذاكرة الجمعية» للمجتمع.. كيف تتعامل مع التفاصيل اليومية الصغيرة لتحويلها إلى مادة أدبية مؤثرة؟

أتعامل مع التفاصيل بعناية باعتبارها مفاتيح لقصص وحكايات وأفكار، التفاصيل الصغيرة هى التى تفتح باب المعنى الكبير إذا وضعت بجوار بعضها بعناية ودقة وفن، وحين تكتبها بصدق، دون افتعال، تتحول تلقائيا إلى جزء من ذاكرة أوسع، وغالبا سيجد القارئ فيها شيئا يخصه.

 

كيف ترى موقع هذا العمل ضمن مشروعك الأدبي؟ وهل يمثل نقلة أو امتدادا لما كتبته سابقا؟

أراه امتدادا من جهة ونقلة من جهة أخرى، الامتداد فى انشغالى الدائم بالإنسان داخل منظومة أكبر منه، والنقلة فى الشكل والتكثيف لأنها أول مرة أكتب فيها نوفيلات وأيضا مجمعة فى كتاب واحد يربطها خط سردى شفيف للغاية هو خداع الصورة، ربما هذا العمل تحديدا يكون خطوة نحو كتابة أكثر اختزالا، دون التفريط فى العمق.

 

فى ظل المنافسة القوية داخل الجائزة كيف تنظر إلى المشهد الروائى العربى اليوم؟ وما الذى يميزه فى رأيك؟

المنافسة كانت قوية للغاية هذه الدورة وبالتالى الفرحة بالوصول للقائمة القصيرة كانت كبيرة، لأن المشهد الروائى العربى الآن أصبح أكثر تنوعا وجرأة وهناك أصوات متعددة وبارعة، وتجارب مهمة وقوية، لا تخشى التجريب، هذا التعدد هو ما يميز المشهد الآن لكن التحدى الحقيقى يظل فى الحفاظ على الجودة وسط هذا الاتساع وتلك المنافسة.

 

هل تعتقد أن الجوائز الأدبية تغير من مسار الكاتب أو تؤثر على اختياراته الإبداعية؟

بالطبع قد تفعل، وهذا هو الخطر، فالجوائز يمكن أن تكون محفزا لكنها قد تتحول إلى قيد إذا كتب الكاتب وعينه عليها، فالقصدية ضد الفن دوما، من الأفضل أن تأتى الجائزة إلى النص، لا أن يذهب النص إليها.

 

ماذا تقول للقارئ الذى لم يطالع «مواليد حديقة الحيوان» بعد؟ ولماذا يجب أن يقرأه الآن؟

سؤال صعب لكن يمكننى أن أقول له: اقرأه إن كنت تبحث عن روايات قصيرة تطرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات، فى ظنى أن كتابى عن الإنسان حين يظن أنه حر، بينما هو يتحرك داخل أسوار لا يراها مع أنه يصطدم بها طوال الوقت.

 

أخيرا.. ما مشروعك الأدبى الذى تعكف عليه فى تلك الفترة؟

أعمل على نص روائى تاريخى مختلف فى بنيته عن المعتاد من الروايات التاريخية، لكنه قريب من روحى من هواجسى وما يشغلنى مثل العلاقة بين الفرد والسلطة، بين الذاكرة والنسيان، لكنى ما زلت فى مرحلة التشكل الأولى للكتابة السردية ولم يكتمل الجانب البحثى بالكامل حتى الآن.

عدد اليوم السابع (2)
عدد اليوم السابع



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة