أحمد إبراهيم الشريف

أيام الغضب والحب كما تراها نهى محمود

السبت، 04 أبريل 2026 11:17 ص


انتهيت من قراءة كتاب "أيام الغضب والحب" للكاتبة نهى محمود، الصادر عن دار المحرر، وهى نصوص تقترب من القارئ بصدق، وتترك داخله أثرًا لا يعتمد على الصخب، وإنما على ذلك النوع من الكتابة التى تعرف كيف تلامس التجربة الإنسانية.

أميل بطبعى إلى الكتب التى تمنحنى إحساسًا بأنها لا تكتب عن نفسها فقط، بل عن الإنسان وهو يواجه الحياة، عن هذا الكائن الذى يمضى كل يوم محملًا بأسئلته، بخوفه، برغبته فى النجاة، بحنينه إلى الطمأنينة، وبمحاولاته الكثيرة لفهم ما يجرى فى قلبه، والكتب التى أحبها حقًا هى التى تعرف كيف تفعل ذلك من غير تورط فى الثرثرة، ومن غير استغراق فى التفاصيل التى تخص صاحبها وحده، أحب الكتب التى تختار من التجربة ما يجعلها قابلة للمشاركة، وما يجعل القارئ يرى نفسه، ولو للحظة، فى مرآتها، وهذا بالضبط ما تفعله نهى محمود فى هذا الكتاب.

منذ العنوان، يبدو أننا بإزاء ثنائية واضحة (الغضب والحب) كأن الكتاب سيتحرك بين شعورين متقابلين، أو بين حالتين متعاقبتين، تبدأ إحداهما بما يثقل الروح وتنتهى الأخرى بما يخفف عنها، لكن القراءة تكشف أن الأمر أعمق من هذه الثنائية الظاهرة، وأن نهى محمود لا تتعامل مع الغضب والحب باعتبارهما حدين منفصلين، بل باعتبارهما جزءًا من نسيج شعورى واحد، تتداخل فيه الأحاسيس وتتجاور، وتتغذى أحيانًا من بعضها بعضًا، فالحب فى هذا الكتاب لا يبدو مجرد لحظة مضيئة ولا الغضب مجرد انفعال عابر، وإنما كلاهما يدخل فى تركيب الإنسان نفسه، فى هشاشته وقوته، فى توقه إلى القرب وخوفه من الخذلان، فى بحثه الدائم عن معنى.

نهى محمود تكتب من ذاتها، نعم، لكن ذاتها هنا ليست سجنًا مغلقًا، إنها ذات تحاول أن تفهم، أن تراقب ما يمر بها، أن تنصت إلى مشاعرها وهى تتشكل، وأن تمنح هذه المشاعر لغةً تستطيع حملها من الداخل إلى الخارج، وما يلفتنى فى هذا الكتاب أن نهى محمود لا تقع فى فخ المباشرة، ولا فى فخ الزخرفة، فلغتها موحية لكنها ليست غائمة، وهى مشحونة بالإحساس، لكنها لا تفقد تماسكها.

هذا النوع من الكتابة لا يقول للقارئ: اسمعى حكايتي، بل يقول له ربما تجد شيئًا منك هنا، وهذه واحدة من أهم مزايا الكتاب فى تقديري، فهو لا يفرض ذاته على قارئه، ولا يطالبه بأن يتعاطف مع صاحبه تعاطفًا واجبًا، بل يترك له المسافة الكافية لكى يقترب بإرادته، ويكتشف، فى أثناء القراءة، أن المشاعر التى تبدو خاصة للغاية يمكن أن تكون شديدة العمومية أيضًا.

وفى هذا السياق تبدو الإشارة إلى الابنة "يسر" ذات دلالة كبيرة، فوجودها فى الكتاب ليس مجرد حضور عائلى أو عاطفي، بل هو جزء من بنية الرؤية نفسها، كأن نهى محمود، وهى تتأمل ذاتها، لا تنفصل عن العالم الأشد قربًا منها، عن الامتداد الحى لها، عن هذا الكائن الذى يشاركها الرحلة، لا بوصفه تابعًا، بل بوصفه صاحب وجهة نظر تخصه، هنا تتجاور النظرتان، نظرة الأم ونظرة الابنة، تتفقان أحيانًا، وتختلفان أحيانًا، لكن وجودهما معًا يوسع أفق النص، ويمنحه بعدًا آخر، لأن الذات لا تعود فردًا منعزلًا يتأمل نفسه فى الفراغ، بل تصير ذاتًا فى علاقة، فى حوار، فى اختبار يومى مع آخر قريب جدًا، لكنه ليس مطابقًا.
كما امتلكت نهى محمود حسًا بصريًا واضحًا، تجلى فى اعتمادها على السينما العالمية بوصفها أداة للفهم، وطريقة للنظر، ووسيطًا يساعد على التقاط المعنى.
ولعل العبارة التى تشير فيها نهى محمود إلى "الأشياء المحببة البغيضة" تعد من أكثر مفاتيح الكتاب دلالة، ففى هذه العبارة يطل جوهر التجربة كلها، الإنسان ليس بسيطًا، ولا مستقيم المشاعر، ولا قادرًا على أن يحب العالم دون تحفظ أو أن يكرهه دون حنين، نحن نحب ونضيق، نقترب ونفزع، نرغب فى المشاركة ثم نحلم بالعزلة، نطلب الطمأنينة ونشك فى كل ما يمنحنا إياها.

ومن زاوية تحليل الخطاب، فإن الكتاب ينهض على حركة داخلية لافتة، الذات تتكلم، لكنها لا تتكلم لتثبت حضورها بقدر ما تتكلم لتفهمه، المشاعر تستدعى، لكنها لا تستدعى من أجل الإعلان عنها، بل من أجل تأملها وإعادة ترتيبها، العالم الخارجى حاضر، لكنه يمر دومًا عبر وسيط داخلي، عبر الإحساس به، وعبر أثره على الروح، ولذلك يبدو خطاب نهى محمود خطابًا تأمليًا بامتياز، ينحاز إلى الحكمة التى تولد من المعايشة، لا إلى الحكمة التى تُلقى من علٍ.

ومن هنا يمكن فهم مركزية الحب فى هذا الكتاب، فالحب ليس مجرد عنوان مقابل للغضب، ولا مجرد مرحلة تالية له، بل هو الأفق الذى تُقرأ فى ضوئه بقية المشاعر، الحب هنا يبدو كالقوس الذى يحيط بكل شيء، بالخوف، بالحزن، بالانتظار، بالوحدة، بالرجاء، وكأن نهى محمود تريد أن تقول إن الإنسان قد يغضب لأنه يحب، ويحزن لأنه يحب، ويخاف لأنه يحب، وينكسر لأنه لا يستطيع أن يعيش بلا هذا المعنى الذى يمنحه للحياة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة