إلى: وزارة التعليم العالي، والمجلس الأعلى للجامعات، ووزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي.
كان اسمه (م). لن أكتب اسمه كاملاً لأن قصته لا تخصه وحده؛ هي قصة مكررة أبطالها (س) و(ك) و(ل) وكل حروف الأسماء. تخرج في كلية لم يخترها، لأن "البيت" يوم الثانوية العامة أمسكوا عصفور حلمه قبل أن يطير وحبسوه في قفص قائلين: "الفن مالوش مستقبل!". ظل الحلم المحبوس في قفصه داخل صدره، لم يطر ولم يغرد، ولكنه لم يفقد حلمه في الطيران أبداً.
وحين قرر أخيراً أن يعود لدراسة الفن بإرادته، دون وصاية أحد، ذهب إلى أكاديمية الفنون—لا كطالب دفعته مكتب التنسيق، بل كطالب دفعه شغفه، عاشقاً جاء بقرار كامل، واستعداد كامل، وقدرة على الدفع والالتزام.
فأجابت اللائحة ببرود يشبه اليد التي خنقت حلمه أول مرة: شهادتك ليست من القائمة.. تقديرك ليس "جيد".. تخصصك لا يمر!
خرج وهو يسأل: من أعطاكم حق مصادرة الفن؟ ليست المسألة استثناءً فردياً، إنها فكرة تُعاد إنتاجها: أن تتحول الأكاديمية من بيت للفنون إلى وصي يقرر من يستحق أن يتعلم، ومن يُمنع لأن حلمه تأخر، أو لأن الماضي الدراسي لا يطابق نسب اللائحة. ومن هنا يبدأ هذا النداء—لا رجاءً، بل حقاً.
النص الذي فتح الباب… والباب الذي ظل مغلقاً
في 25 يناير 2026، صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 267 لسنة 2026، ونُشر في العدد (4 مكرر) بالجريدة الرسمية، مضيفاً مادة (248 مكرراً 134) إلى اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات.
القرار يقر صراحة إمكان منح الجامعات—عبر كلياتها ومعاهدها—درجات ودبلومات مهنية: (البكالوريوس/الليسانس المهني، الدبلوم المهني، الماجستير المهني، الدكتوراه المهنية)، مع تعريف يميز بين المهني القائم على التطبيق والمهارة، والأكاديمي القائم على البحث والإنتاج المعرفي.
هذا القرار ليس خبراً عابراً؛ إنه اتجاه دولة: أن التعليم ليس خطاً واحداً يُقفل بعد التخرج، وأن من يعود متأخراً لا ينبغي أن يُعاقب على الزمن. فلماذا تتصرف أكاديمية الفنون كأن هذا الاتجاه لا يعنيها؟ لماذا لا تخلق مساراً مهنياً فنياً/نقدياً يفتح الباب لمن حُرموا قديماً ثم عادوا اليوم بإرادتهم—وفق اختبارات صارمة وتأهيل حقيقي—بدل أن تظل أسيرة شرط يقدس الماضي الدراسي ويحتقر الرغبة الحاضرة؟
اللائحة التي تحاكم الماضي… لا الحاضر
المنشور عن المعهد العالي للنقد الفني يوضح أنه يمنح دبلوم الدراسات العليا والماجستير ودكتوراه الفلسفة في النقد الفني. لكن شروط القيد في الدبلوم—كما هي منشورة—تشترط:
أن يكون المتقدم حاصلاً على بكالوريوس/ليسانس التخصص ذاته من معاهد الأكاديمية أو ما يعادله في نفس التخصص من كليات أخرى، وبتقدير عام "جيد"، وأن يلتحق بتخصص يتفق مع مجال دراسته الجامعية الأولى، مع قوائم محددة للفئات المقبولة.
والأخطر ليس النص وحده، بل الفكرة التي تحته: أن إنساناً بعد عشرين عاماً، وقد تغيرت خبرته وحياته وثقافته، يُمنع لأن ورقة قديمة لم تحمل علامة "جيد".
هل التقدير الجامعي وثيقة صلاحية أبدية؟
أين معيار الكفاءة الحقيقي: في ختم قديم أم في اختبار قبول صارم وكتابة نقدية ومشروع بحثي وملف أعمال؟ المفارقة الفاضحة أن اللائحة نفسها تشير إلى وجود اختبارات قبول يجريها المعهد ويحددها مجلسه. إذن لماذا يغلق الباب من الأصل—قبل الاختبار—على من لا يحمل نسب التخصص؟ إذا كانت الجودة هي الهدف، فالجودة تُصان باختبار الكفاءة لا بإقصاء الموهبة من العتبة.
شواهد تدين الوصاية: الفن يعبر التخصص لأنه ليس "قبيلة"
يكفي أن ننظر في تاريخ من خرجوا من عباءة التخصص إلى قلب الفن قبل هذه اللائحة العقيمة، لنفهم أن المنع المسبق ليس قدراً بل اختيار. د. درية شرف الدين درست الاقتصاد والعلوم السياسية، ثم حصلت على دبلوم دراسات عليا في النقد الفني، وماجستير في النقد السينمائي، ودكتوراه الفلسفة في الفنون من أكاديمية الفنون. لو كانت د. درية في أيامنا هذه لما كان لها أن تحصل على ماجستير ولا دكتوراه في السينما.. تخيل!
وهناك أمثلة كثيرة؛ د. ياقوت الديب، ود. فاضل الأسود، بل وضابط الشرطة د. ممدوح عبد السلام، لم يكن ليحصل على الدكتوراه في النقد السينمائي الذي يعشقه وتفوق فيه. هذه ليست حكايات، بل دليل على حقيقة بسيطة: الفن لا يزدهر بالأسوار بل بالتنوع؛ لا يحيا بالأنساب بل بالأسئلة؛ لا يتقدم بإغلاق الباب بل بتعميق الاختبار.
هذا نداء رسمي باسم حق التعلم، وباسم روح الفن، وباسم من حُرموا مرتين: مرة بسلطة الأسرة، ومرة بسلطة المؤسسة. نطلب رداً مكتوباً على الأسئلة التالية، لأنها أسئلة "حق عام" لا أسئلة رأي:
- أولاً: عن الاتساق مع قرار رئيس مجلس الوزراء 267 لسنة 2026:
ما موقف أكاديمية الفنون من المادة (248 مكرراً 134) التي تقر الدرجات والدبلومات المهنية حتى الدكتوراه المهنية؟ وهل وضعت الأكاديمية خطة لتفعيل مسارات مهنية فنية/نقدية متسقة مع القرار؟ إذا كانت الخطة موجودة: ما جدولها الزمني؟ وإذا لم تكن موجودة: ما المانع؟
- ثانياً: عن شرط تقدير "جيد" وتقييد المؤهل الأول:
ما الأساس العلمي لاستخدام تقدير جامعي قديم كشرط إقصاء بعد مرور سنوات طويلة، رغم وجود اختبارات قبول يمكنها قياس الكفاءة الحالية؟ هل يوجد نظام "جسر تأهيلي" (Bridging) يسمح لخريجي الكليات غير المناظرة بالالتحاق بعد دراسة تأسيسية واختبار؟ وإذا لم يوجد: لماذا تفضل الأكاديمية الإقصاء على التأهيل؟
- ثالثاً: عن الشفافية والعدالة الإجرائية:
كم عدد المتقدمين للدبلومات التخصصية خلال آخر خمس سنوات؟ وكم عدد من رُفضوا بسبب عدم مناظرة المؤهل أو الحصول على أقل من "جيد"؟ نريد أرقاماً منشورة لا تقديرات عامة. وما السند اللائحي الذي يتيح لمن دخل وفق لوائح قديمة أن يستكمل لاحقاً، بينما يمنع من يطرق الباب اليوم من الدخول أصلاً؟ وكيف يتسق ذلك مع مبدأ تكافؤ الفرص؟
- رابعاً: عن حماية القوة الناعمة لا احتكارها:
كيف تبرر الأكاديمية—كمؤسسة هدفها خدمة المجتمع وتنمية الإبداع—تحول بعض مساراتها إلى "نادٍ مغلق" يقصي الراغبين الجادين؟ وما الإجراءات التي ستتخذها لإعادة فتح الفن بوصفه حقاً لا امتيازاً؟نحن لا نريد إسقاط أكاديمية الفنون؛ نريد إسقاط الوصاية التي تجعل الفن "إذا كان عاجبكم". نريد أن تعود الأكاديمية بيتاً للفن لا بوابة لحجبه. الفن ليس مكافأة لمن جاء مبكراً، الفن حق لمن جاء متأخراً لأنه كان يصارع الحياة. ومن يطرق باب الفن الآن لا يطلب امتيازاً، بل يطلب أن يُسمح له أن يكون إنساناً كاملاً.
نريدها أكاديمية لنشر الفنون.. لا أكاديمية لحجب الفنون.