حازم حسين

ترامب وأرملته الطروب

الخميس، 30 أبريل 2026 02:00 م


أثر الفراشة لا يزول، كما قال درويش، وقد يصنع إعصارا عند ركن بعيد للغاية، وفق نظرية العالم الأمريكى إدوارد لورينتز.

وعلى غرابة الربط؛ فجُملة عابرة بالإنجليزية فى الولايات المتحدة، استدعت لذهنى فيلما مصريًا منذ سبعة عقود، ثم أعادتنى بكل التفاصيل لأصل ألمانى سبقه بنصف القرن.

قالها القائل ومضى؛ فانقلبت الدنيا عليه بأثر رجعىّ. لم يكن الكلام جميلاً؛ إنما أقصى ما يُوصف به الصفاقة وثِقل الظل، وقد اضطُر صاحبه لتبريره درءًا لاتهام أشنع من سخف الكوميديا.

والحكاية باختصار؛ أن مقدم البرامج الشهير فى محطة «إيه بى سى نيوز»، جيمى كيميل، استبق عشاء مراسلى البيت الأبيض، بمُحاكاة لِمَا سيؤديه إن قُدِّر له أن يُحيى الحفل.

وصف السيدة الأولى بـ«الأرملة المُنتظَرة». وبعد يومين وقعت محاولة الاغتيال المزعومة فى «هيلتون واشنطن»؛ فاتُّهم لاحقا على ما قاله سابقًا، وعُدَّ داعية كراهية ومُحرّضًا على العنف.

شىء شبيه يتطوّر الآن مع مدير FBI السابق، جيمس كومى، المُحتَمل أن يخضع لتحقيق وشيك، عن منشور عبر أحد حساباته، وضع فيه صورة أصداف بحرية تُشكّل الرقمين 86/ 47 على الشاطئ.

خرج ترامب بعدها عبر فوكس نيوز؛ ليُقدّم تفسيرًا من نسيج المؤامرة، انطلاقا من أن الرقم الأكبر يحمل معنى الإلغاء/ الاغتيال، بعدما تطوّر من دلالته الأولى عن نفاد أصناف المطاعم، ولأنه السابع والأربعون بين الرؤساء؛ فهو الهدف قطعا.

النماذج مُتكررة لدرجة الضيق، وتكاد الشواهد لا تُحصى. كيميل نفسه تلقى ضربة من البيت الأبيض قبل شهور، عندما علّق باستخفاف، يُلام عليه طبعًا، عقب اغتيال الناشط تشارلى كيرك؛ فكثّف الرئيس وتيّاره هجومهم عليه، ما اضطرّ الشبكة لوقف برنامجه برهة.

والحال؛ أنه عندما أسبغ على ميلانيا صفة الأرملة، لم يُكن معروفًا أن زوجها العجوز سيُستهدَف بعد ساعات، ودعك من كون المحاولة مشكوكا فيها، كما لم يكن يُحرّض أحدًا على المُغامرة بالاقتراب من رجلٍ تُطوّقه عشرات الدوائر الأمنية المُتوالية.

درج الحفل على استضافة كوميديان يسخر من الرئيس، ويُدير حوارًا معه وعنه، وقد تقبّله الأسلاف وشاركوا فيه. ترامب أجبر المُنظّمين على إلغائه، وأن يستبدلوا به ساحرًا يقرأ الأفكار.

وبعد الهرج والمرج والنجاة المُدّعاة، عنّف نورا أودونيل فى برنامج «60 دقيقة» الشهير؛ لأنها نقلت مُقتطفا من خطاب الشاب مُطلق النار، وصفه فيه بالخائن المُغتصب؛ فانفجر فيها كما لو كانت صانعة لا ناقلة، وأسرف فى إهانتها وتحقيرها!

اصطبغت الولايات المتحدة بيمينيّة زاعقة، وصارت ناشطة مُتطرفة مثل لورا لومر، أعلى صوتًا وأقرب للرئيس من عُقلاء الإدارة؛ إذا افترضنا أنّ نفرًا منها نجحوا فى الحفاظ على سلامة عقولهم.

وقد لا يكون الاستقطاب طارئًا، غير أن تيّار «ماجا» المُعظَّم، ضاعف ما كان موجودًا، وأضاف إليه أشكالا وألوانا مِمّا لم يكن حاضرًا أو رائجًا.

وفى بلد يحتفى بالقوّة، وينزل عن خصيصة احتكار العُنف، لصالح الحرية الفردية؛ فالدراما مفتوحة على كل الاحتمالات.

السلاح مُتجذّر فى ثقافة العامة، والدستور يُتيح إنشاء الميليشيات. لم يعُد العنف حكرًا على المؤسسة الرسمية، ولا تُؤطّر صراعات السلطة والأيديولوجيا بالسياسة وحدها.

الأفراد تحت ضغط نظامىّ وأهلىّ، ويُمارسون ضغوطهم على غيرهم، ولديهم قنوات غير منضبطة لتفريغ طاقاتهم، عندما يتعذّر اندراجهم فى مسارٍ قويم!

قصة السبت لا تبدو محبوكة تماما، ولا أقصد التلفيق، بقدر ما أنها تُشير لغضبة شخصية تخص صاحبها. وفى الوقت ذاته؛ بمثابة العنوان على دفتر مُتخم بالحانقين.

تعرّض ترامب لثلاث مُحاولات بأقل من سنة، ويُشار لسبعٍ فى ولايته الأولى. وليس ذلك غريبًا على إرث البلد؛ غير أن الوتيرة أسرع، والصيغة تنُمّ عن رعونة وجرأة فجّتين.

البداية مع مُراهق يتمدد على سطح مُقابل لمؤتمر انتخابى، والثانية عند أسوار مُنتجعه الشخصى الحصين فى فلوريدا، والثالثة فى أحد أكبر فنادق العاصمة.

يبدو كما لو أن الناس صاروا يستخفّون بالدولة وأجهزتها، كما استخفّ بها الرئيس قبلهم. وعلى قدر ارتجاله وقلّة كفاءته؛ يُلوّثون سيرته بمحاولات اغتيال رخيصة، ويفوح الشكّ منها بما يكفى لإنكارها.

خمسة وأربعون رئيسًا، قلّة منهم لم يتعرّضوا لاستهدافات مُعلنة. عدد المُوثّق منها يفوق أعدادهم، ونجحت أربعة بالفعل؛ إنما كانت كُلّها تنطوى على قدر من الجدية أو الغموض، وليست ارتجالية وعشوائية كألعاب الفيديو المُتكررة مع ترامب.

ملانيا غير مسؤولة عن سخرية كيميل، ولا عن استدعائى لسردية الأرملة الطروب؛ ولعلّه الحب فعلاً قد جمع عارضة الأزياء السلوفينية الحسناء، بقُطب العقارات وتليفزيون الواقع وزير النساء الذى يكبرها بربع القرن تقريبًا.

فسّر المذيع شفرته المُشتبه بها؛ بأنه يُشير لفارق العُمر فعلاً، والذى يقضى فى الأحوال العادية، وبدون مفاجآت قدرية أو مُخطّطة، بأن يسبق الزوج زوجته؛ فتترمّل مثل ملايين غيرها.

ولو تيسّر الإبحار فى ذهن الرئيس، بغروره المعهود، وقاموسه المحدود، وغرامه بالتملُّك وضمير المُتكلّم؛ فلعلّه يرهن انتقال ثروته لميلانيا، بشرط العجوز فى القصة المُشار إليها/ الأرملة الطروب، بأن تبقّى وفيّة ولا تستبدل به رجلاً آخر!
هو الفعل نفسه مع البيت الأبيض؛ إذ يُلمّح مرّة بعد أخرى إلى رغبة الترشّح لولاية ثالثة، ويُعبّر عن هيامه بالأنظمة الملكية والديكتاتوريات. كأنه يبحث عن الخلود، واختبر ترياق السلطة، ويُفضّل أن يترمّل المقعد، على أن يُخلّى سبيله لبديل.

يعود فى الشؤون الخارجية لضميره لا القانون الدولى. يتمسّك بالتعديل الثانى للدستور بشأن حيازة السلاح، أما الأول عن الحرية، والرابع عشر عن المواطنة بالولادة، والثانى والعشرون بخصوص مُدد الرئاسة؛ لأقرب سلّة للمُهملات.

انتقائى ومزاجى وانفعالى، ويُعاند الزمن الذى يخسر الجميع فى مواجهته!

ميلانيا ذهبت للثراء والترمُّل معًا باختيار واحد، لا إلى جاذبية ترامب واستثنائيته.

والرئاسة داعبته لاعتبارات غير الجدارة، والقدر ماضٍ على الطريق فى كل الأحوال.

للرحيل معنيان مُتلازمان، شئنا أم أبينا: الفقد، والانعتاق. وعلى تلك الازدواجية تختلط المشاعر دومًا، ولا يتبدّل المصير المحتوم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة