هل تريد حياة هادئة؟ هل تحب أن تدوم بينك وبين الآخرين المودة؟ هل تختار أن تكون قويا؟ هل ترغب فى أن تتصف بصفة الأنبياء؟ إذا كانت إجابتك بنعم أكمل قراءة المقال، وإن كانت الأخرى فاخرج من فورك..
أحدثك اليوم عن خلق هو من أعظم الأخلاق، خلق يعرف بخلق العظماء بل خلق الأنبياء، فهو سنة منسية لا يتخلق به الكثير.. خلق تبنى به البيوت وتستقر وتستقيم به العلاقات كل العلاقات.. علاقة الرجل وزوجه وعلاقة الأب وأولاده، خلق تدوم به المودة بين الناس بعضهم البعض.. خلق قلّ من ينتبه إليه وعزّ من يعمل به..
أحدثك اليوم عن خلق التغافل.. التغافل ليس غفلةً، وليس ضعفًا، وليس تجاهلًا مذمومًا، بل هو تجاهل متعمَّد لما لا يستحق الوقوف عنده، هو أن ترى الخطأ الصغير فتتجاوز عنه، وأن تسمع الكلمة الجارحة فتصفح عن قائلها، وأن تدرك الزلة فتغض الطرف عنها..
القرآن الكريم يشير إلى هذا الخُلُق العظيم في قول الله تعالى: «خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ» [الأعراف: 199] أي: خذ ما سهل من أخلاق الناس، ولا تُدقِّق في كل صغيرة، وأعرض عن جهل الجاهلين، فلا تقابل الإساءة بمثلها..
وفى موضع آخر يقول الله سبحانه: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ» [النور: 22] فالعفو والتغافل بابٌ من أبواب مغفرة الله..
النبي ﷺ أعظم الناس خُلُقًا، كان من أبرز أخلاقه التغافل عن الزلات والهفوات، لا عن جهلٍ بها، ولكن عن حكمةٍ ورحمة..
أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول: "ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا".. وكان من تيسيره على الناس أنه لا يقف عند كل خطأ، ولا يفضح كل زلة..
ومن أعظم المواقف ما يرويه لنا القرآن، وذلك فى قول الله تعالى: «وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ» [التحريم: 3]، أي: أخبر ببعض ما قيل، وتغافل عن بعضه.. وهذا من أبلغ صور التغافل: أن تعلم الخطأ، ولكن لا تكشفه كله، مراعاةً للمشاعر، وحفظًا للود.. فكان ﷺ يتغافل عن أخطاء الناس في المجالس وفى غيرها، فنجده لا يحرج أحدًا..
جاءه رجل فبال في المسجد، فقام الصحابة ليزجروه، فقال النبي ﷺ: «دعوه، وأريقوا على بوله سَجْلًا من ماء».. ثم علّمه برفق، ولم يوبخه أمام الناس.. هذا هو التغافل التربوي: إصلاح بلا فضيحة، وتعليم بلا إهانة..
التغافل لا يعني ترك المنكرات العظيمة، ولا السكوت عن الظلم، لكنه يكون في صغائر الأمور وزلات البشر اليومية، تلك التي لو وقفنا عندها لفسدت العلاقات، كل العلاقات.. ولو نظرنا فى حال بيوتنا اليوم، نجد أن مشكلة بدأت بكلمة، ثم تضخمت لأن كل طرف أراد أن ينتصر لنفسه، ولو أن أحدهما تغافل، لانتهى الأمر، فكم من قطيعة حدثت بسبب عدم التغافل..
تجاوزوا عن كلمة قاسية من قريب أو صديق..
لا تُحاسبوا بعضكم بعضا على كل صغيرة..
لا تفتشوا في نيات الناس..
غضوا الطرف عن زلات الآخرين ولا تُكثروا العتاب..
التغافل قوة، وليس ضعفًا؛ لأنه يحتاج إلى صبر، وحكمة، وضبط للنفس... والإنسان القوي هو الذي يملك نفسه عند الغضب، ويختار متى يتكلم ومتى يسكت. قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].. فالكظم، والعفو، والتغافل… كلها من صفات المحسنين.