أجريتُ حوارات صحفية كثيرة مع الراحل مختار نوح - الشخصية الأهم التي انشقت عن جماعة الإخوان الإرهابية- نُشرت هذه الحوارات في جريدة "الأحرار" الناطقة باسم حزب الأحرار، ثم انتقلت حواراتي معه للنشر في "اليوم السابع"، وكان رجلًا دائمًا لديه جديد في ملف الإخوان خاصة، والجماعات الإسلامية عامة.
أذكر أنني في إحدى زياراتي له في مكتبه الكائن بمصر الجديدة عام 2008 على ما أذكر، تلقّى اتصالًا هاتفيًا من مهدي عاكف، مرشد الإخوان، ليقنعه بفكرة "شعرة معاوية" بين الجماعة ونوح، لتستمر العلاقة أو على الأقل لا تتدهور إلى الأسوأ. ورأيت وقتها ردودًا هادئة من نوح، وبعد أن أنهى المكالمة قال نصًا وهو يضحك: "مهدي عاكف رجل طيب، وليس هو المرشد العام الحقيقي لجماعة الإخوان، بل المرشد الحقيقي هو محمود عزت الذي يحرك كل شيء داخل التنظيم". وبالفعل، أثبتت الأيام صحة ما قاله مختار نوح.
مختار نوح، رحمه الله، كان يستقبلنا في مكتبه بابتسامة عريضة ووجه بشوش وكرم كبير ورقي عالٍ، وكان في أغلب الأوقات يتواصل مع الكُتّاب والصحفيين والمفكرين، وكانت معظم كلماته تصلح "مانشيتات" عريضة لكبرى الصحف، ولم أسأله يومًا عن شيء يخص الإخوان إلا وكانت إجابته شاملة، تنم عن رؤية كاملة.
كانت علاقات مختار نوح واسعة للغاية داخل التنظيم وخارجه، وكان صريحًا في مواقفه سواء عندما كان داخل الجماعة أو بعد إعلان انشقاقه عنها، والتي كان له دور في أن تكون "نمبر وان" داخل نقابة المحامين، وكما كان الرجل يدرك ويعي كيف يفكر الإخوان وما هي أفكارهم الحقيقية، كان أيضًا على دراية كاملة ويعرف الصقور والحمائم داخل التنظيم، لدرجة أنه كان من أوائل من كشفوا للمجتمع ما يُعرف بـ"العائلات الإخوانية" داخل مصر.
لو راجعت جميع القضايا الكبرى التي هزّت مصر وأثارت الجدل في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، لوجدت اسم مختار نوح حاضرًا بقوة في أي موضع من هذه القضايا، فقد كان بحق موسوعة متناقضة،بمعنى أنه كان شخصية مؤثرة داخل الإخوان، وبعد انشقاقه أصبح مرجعًا مهمًا لكل من يريد فهم الفكر الحقيقي للجماعة.
كنت أراه "جوجل الإخوان"، بمعنى أنك إذا سألته عن أي شيء مرتبط بالإخوان، تجد لديه إجابة وافية.. رحم الله مختار نوح، وأدخله فسيح جناته.