محمد غنيم

فلسفة الفقد وأشياء أخرى

الأربعاء، 29 أبريل 2026 12:00 ص


أعلم أن مجرد العنوان قادر أن يصيبك بالحزن، وفتح خزائن الحنين، والتأمل فى بحر الذكريات، وتذكر وحشية شبح الموت فى خطف الأحبة، دعنى أخبرك أن الفقد لا يقتصر على الأموات فحسب، ففقد الأحياء أشد وجعا من وحشة الموت.

فحكم النفس على النفس أقسى من شدة القدر، فالله رحمن، رحيم على عباده، مغاير تماما لحكم البشر على بعضهم، فالفقد أشد وطأة من الموت، وحسب تفسير علماء النفس وأهل الاختصاص، يقول عالم النفس بولين بوس: الفقد الغامض، أو الخسارة الغامضة أشد من الموت، ففي الموت، يتشارك الناس في مراحل الحزن الطبيعي ويصلون في النهاية إلى مرحلة القبول لأن النهاية حتمية وقاطعة، أما فراق الأحياء، فيترك الباب مواربًا على الدوام، بين أمل كاذب، ورجاء متجدد، يدمران النفس البشرية، حيث استهلاك محاولات فك لغز الغياب.

فالفقد ظاهرة مفاجأة لغريزة التعلق البشري، مما يفجر مشاعر القلق العارم والخوف من الهجر والوحدة، والمتألم يتطور بشكل طبيعي بين التركيز على ألم الفقدان وعلى إعادة بناء حياته وممارسة مهامه اليومية.

هل تعرف أن التأثير النفسي للفراق يضرب الهوية الذاتية في مقتل، أعلم أنك تختلف معى مرددا : كرامة الإنسان أقوى من الفراق، دعنى أصطحبك إلى بستان ذكرياتك لعلنا نقطف الثمار سويا، هل فكرت كيف ستكون نفسية الإنسان لو حرمناها من لذة الطمأنينة عند رؤية عزيز، أو سماع صوت يقطر بالحنين، هل سألت نفسك كيف ستستمر الأيام لو لم يرطب جفافها الاشتياق واللقاء وترك لوعة الفراق؟

دعنى أخبرك أن الإنسان كائن له تاريخ يسعد بلقاء الأحبة، ليتخفف من ألاعيب الزمن وإزالة أتربة الهموم، ومن منا لم يقع أسير شخصا ما؟ من منا لا يربطه الحنين بصوت كلما سمعه أحيا فيه الأمل وهاج الشوق إلى قلبه وانغرست فيه ورود الأمل اليانعة، يقول أهل الاختصاص النفسى من الأطباء والمحللين وأصحاب الدراسات النفسية: إن الشخص السوى الذى يتمتع بوجدان ومشاعر متنزنة، تربطه علاقة حميمة مع أحبة، يأنس بهم ويظل منجذبا لهم.

يولد الإنسان في هذا العالم مدفوعًا برغبة فطرية في الانتماء والاتصال، فالحب هو الوقود الذي يمنح الوجود معنى، والجسور التي نبنيها مع الآخرين، هي التي تقينا برد العزلة، حب الناس والتعلق والفقد ليس كذبة أبريل كما يظنها البعض.

دعنى أفسر لك لماذا أبريل وكذبته فى التعلق والفقد؟ ففيه يتغير المناخ، يودع فيه الصيف الخريف، فتتحرك مشاعر الإنسان بشكل لا إرادي، فلكل منا أبريله الخاص، يتعايش معه على طريقته الخاصة، فهو الشهر الفاصل بين الزهور والورود اليانعة، ومداعبة الرياح للأشجار وبداية قسوة حر الصيف.

اجعل من ذكرياتك الجميلة أملا فى غد أفضل، فما من إنسان قادر على التعامل مع الحياة دون رصيد وافر من المحبة والتعلق بالأشخاص الأسوياء، الذى يستظل بظلهم ويتكئ عل كتفهم فى الأيام المقبلة، حب الناس للناس، قادر أن يمنحك نعمة التخفف من هموم الواقع.. اجعل من أبريل بستانا يانعا بالأفكار المثمرة المطعمة بالحب حتى تخطو الخطوة الأولى على أعتاب قسوة الصيف.

حب الناس ليس مجرد ترف عاطفي، بل هو مخصص لبقاء النفوس العظيمة، فالأمان النفسي ما هو إلا علاقات قائمة على المحبة الصادقة، وفقد الأحبة هو الضريبة القاسية التي ندفعها مقابل حبهم، الحياة أقصر من أن نعيشها في عزلة، والمحبة الحقيقية تظل حية في الأثر حتى بعد أن يغيب أصحابها، حب الناس من وراء القصد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة