استقبلت قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة أستاذين فاضلين من كبار النقاد والمبدعين للحوار مع قرابة ألفى طالب وعدد كبير من القيادات الجامعية والعاملين والأساتذة حول واحدة من أخطر قضايا المرحلة تحت عنوان (الفن والدراما والوعي المجتمعي) حيث حاضر فيها أ.د. أشرف زكي رئيس أكاديمية الفنون الأسبق ونقيب المهن التمثيلية، والأستاذ الأديب الصحفي وائل السمري الرئيس التنفيذي لليوم السابع والشاعر المعروف والروائي الواعد صاحب رواية " لعنة الخواجة" الذي استطاع من خلالها إحالة صورة الخواجة في الوجدان الشعبي المصري إلى الآخر الأجنبي بما يحمله من الصلف والغطرسة والهيمنة والتفوق التقني وبث حالة الاستلاب الحضاري التي يصنعها مع الأمم العريقة.
وقد استعرض الدكتور أشرف زكي أهمية موضوع الندوة وحتمية الاهتمام بالأنشطة وصولاً إلى الفن الراقي والإبداع المتميز، وتأكيد دوره في تشكيل الوجدان منذ جيل الراديو برنامج على النصيحة، وبرنامج كلمتين وبس، وإذاعة أم كلثوم وحفلاتها وحفلات عبد الحليم حافظ، ومسلسلات اجتماعية على غرار أبنائي الأعزاء شكرا، وكلمة شرف، وجعلوني مجرما، وغيرها حتى من الأغاني التي لا تنسى مثل: ست الحبايب، والمسلسلات الكبرى مثل محمد رسول الله وقصص الأنبياء وفيلم الرسالة وأمثالها من صور الفن والدراما التي أثرت في وجدان الشعوب العربية، وأكرر دور ريادة مصر الفنية في التأليف والإخراج والتمثيل والغناء مستعرضا مشاهد من تجربته على مسرح كلية التجارة بجامعة القاهرة ثم المعهد العالى للفنون المسرحية وأكاديمية الفنون وصولا إلى دوره في الأعمال الدرامية الكبرى.
ثم استعرض الأديب الإعلامي وائل السمري حديثا حول علاقة الفن بمشكلات الحياة ودور الفن في تأصيل الهوية وتعميق الانتماء، وترسيخ مفهوم الوطن، وتعزيز الثقة في المسار الوطني الراشد، بما يؤكد عظمة المبدع حتى بعد وفاته من خلال إبداعه وشخصياته.
كما أشار إلى دور الأغاني في المسلسلات متخذا شواهده من مسلسل عبد الله النديم خطيب الثورة العرابية، وشاعر سيد حجاب ومسلسل الشهد والدموع، وغيرها من صور الاغتراب عند الدراما العصرية مثل شيخ العرب همام وغير ذلك من أشكال الصراع والرموز والأقنعة التي تزدحم بها الأعمال الفنية عبر السماوات المفتوحة والمنصات الالكترونية على غرار دور الشركة المتحدة ومسلسل أصحاب الأرض برسالته الإنسانية الرفيعة وعطائه الفني المتميز حول أخطر
قضايا المرحلة..
وكذا استطاع المحاضران بحكم انتمائهما إلى جيل الوسط وجيل الشباب أن يصلا سويا إلى عمق وجدان شباب الجامعة وفكره وأن يجيب عن كل التساؤلات الحائرة في نفوس الطلاب حول واقع الفن والدراما والرؤى المستقبلية لأدوارهما في إصلاح المجتمع وتحقيق آماله وطموحاته، ومواجهة التحديات بما يؤدي إلى عدم التماهي مع الآخر، ويعزز ثقافات الثقة بالنفس والوطن والأمة
والتاريخ والمستقبل من خلال الدراما الجادة نصا وتمثيلا واخراجا.
كما أكد المحاضران على عدة ثوابت يجب تقديرها ودعمها في انتقاء النصوص الدرامية القوية تفاديا للإقرار والتكرار وقبولا لتجارب جديدة تحتاج تصليط الضوء عليها بما يجعلها مدخلا وأداة للتفكير متجاوزة حد التسلية.
ومن الأهمية بمكان التركيز على المضامين والرسائل، والتخفيف من السياق المحموم نحو الإثارة السريعة أو الموضوعات العارضة بحثا عن عمق درامي يجتهد في حل مشكلات المجتمع، واستعادة مكانة الدراما الجادة الكاشفة عن قدرة الكاتب على الابتكار والتجديد والجمهور القادر على استقبال الرسالة ونقدها عن وعي عميق وفهم دقيق.
ولعل محاولة الكاتب الروائي وائل السمري تمثل رمزاً لإرادة الاستقلال الوطني والحوار مع التاريخ عبر مشروع بناء الدولة الوطنية ليظل السؤال مطروحاً حول مستويات الصراع الإنساني التي تتعدد صورها بدءاً من صراع الخير والشر، إلى صراعات الإنسان مع نفسه، أو مع أخيه الإنسان، إلى الصراعات الطبقية والاجتماعية والقيمية والأخلاقية بما يرسم الخريطة الاجتماعية في السياق التاريخي عبر الأنساق الفنية حين تقف عند لحظات مفصلية في تاريخ الوطن على غرار ما كان في مشروع السد العالى في رواية "لعنة الخواجة"، وعندها يلتقي الفن بالتاريخ عبر دلالات رمزية كاشفة عن علاقة الفكرة وصاحبها بالمشروع الوطني ودعم هوية الإنسان الذي يحمله فكراً ووجدانا لتحقيق آماله المستقبلية.
ولعل الفن والدراما -بهذا المفهوم-يقدمان رسالة ومسؤولية مزدوجة ينتقي فيها الإبداع الفني مع مسؤولية الأمانة التاريخية والالتزام القومي والوطني والإنساني على السواء وهو المفهوم الذى يجب على الدراما أن تتبناه وتتغياه وتحققه بما يستحق الإشادة والثناء على دورها الفاعل في مشروع بناء الإنسان والارتقاء بوعيه وذوقه الجمالي.