أحمد المالكى

الاختناق الصامت داخل الإنسان

الثلاثاء، 28 أبريل 2026 09:01 م


يمرّ الإنسان أحيانًا بحالةٍ من الاختناق الداخلي العنيف، حالة لا يستطيع أن يشرحها للناس مهما حاول، لأن الكلام يبدو عاجزًا عن حمل هذا الثقل الذي يملأ الروح، فيشعر أن قلبه مزدحم بصورة مؤلمة، وأنه لم يعد قادرًا على استقبال المزيد من الأصوات أو الطلبات أو العلاقات أو حتى الكلمات العادية التي كان يتعامل معها بسهولة، فيبدأ في الانسحاب تدريجيًا دون قصد للإساءة إلى أحد، لا يرد على هاتف، ولا يفتح رسالة، ولا يجد في نفسه قدرة على التفاعل، وكأن روحه تطلب هدنة طويلة من العالم كله، هدنة ينجو بها من هذا الضيق الذي يلتف حول صدره في كل لحظة.

وأحيانًا لا يكون الإنسان حزينًا بالمعنى المعتاد، لكنه يكون مرهقًا بصورة عميقة جدًا، مرهقًا من كثرة التفكير، ومن زحام التفاصيل، ومن محاولاته المستمرة في التماسك أمام الناس، فيشعر فجأة برغبة جارفة في العزلة، لا عزلة الكراهية أو القطيعة، ولكن عزلة التأمل والسكينة، عزلة يجلس فيها وحده بعيدًا عن كل شيء، يتأمل السماء، أو صمت الليل، أو صوت الريح، أو حتى الفراغ، لأنه يشعر أن العالم صار أعلى من احتماله، وأن قلبه لم يعد يتسع لكل هذا الركض المستمر الذي لا ينتهي.
وفي لحظات كثيرة يشعر الإنسان أن روحه تريد أن تهرب إلى مكان هادئ جدًا، مكان لا يعرفه فيه أحد، مكان لا يُطلب منه فيه أن يكون قويًا أو حاضرًا أو مبتسمًا أو متماسكًا، مكان يسمح له أن ينهار قليلًا دون أن يراه أحد، أن يجلس طويلًا مع نفسه، يعيد ترتيب قلبه، ويجمع بقايا روحه المتعبة، فبعض التعب لا تعالجه النصائح، ولا يزيله الكلام، وإنما تخففه الخلوة الصادقة مع الله، والسكون، والابتعاد المؤقت عن ضجيج البشر، لأن الروح حين تختنق لا تحتاج دائمًا إلى من يحدثها، بل تحتاج أحيانًا إلى مساحة واسعة من الصمت والطمأنينة.
ولعل أكثر ما يؤلم في هذه الحالة أن الإنسان يشعر وكأنه محاصر من الداخل، مكبل بأشياء كثيرة لا يعرف كيف يشرحها، مسؤوليات، وضغوط، وأفكار، وخيبات، وتعب متراكم، حتى يصبح صدره ضيقًا بصورة لا يفهمها من حوله، فيبدو طبيعيًا أمام الناس بينما في داخله عاصفة كاملة لا تهدأ، ولذلك يختار أحيانًا الاختفاء المؤقت، ليس تكبرًا ولا قسوة، وإنما لأن روحه أصبحت عاجزة عن حمل المزيد، ولأنه يخشى إن استمر وسط كل هذا الزحام أن يفقد شيئًا عزيزًا بداخله لا يستطيع تعويضه.
ومع كل هذا الاختناق والتعب والانسحاب، يبقى في القلب شيء جميل لا ينطفئ، وهو أن الروح حين تضيق بالدنيا كلها تبحث عن الله وحده، كأن الإنسان يكتشف في لحظات الانكسار أن لا ملجأ حقيقي إلا إلى الله، فيشتاق إلى سجدة طويلة، ودعاء خافت في جوف الليل، ودمعة لا يراها أحد، ويشعر أن قربه من الله ليس رفاهية روحية، بل ضرورة نجاة، وأن القلب مهما أثقلته الحياة يبقى قادرًا على أن يهدأ إذا وجد باب الله مفتوحًا أمامه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة