في ظل ما يشهده العالم من توالي صور القتل، والتهجير، والحصار، واستهداف المدنيين، صار سؤالٌ ثقيلٌ يتردد على ألسنة كثيرين: ما فائدة القانون الدولي إذا كانت هذه الجرائم تقع على هذا النحو؟ وما قيمة القانون الدولي الإنساني إذا كان الضعفاء لا يُحمَون دائمًا، وإذا كانت النصوص تبدو عاجزة أمام منطق القوة؟ بل إن بعض طلاب القانون، وبعض الأصوات الأكاديمية، لم يعودوا يسألون عن حدود الفاعلية، بل بدأوا يسألون عن أصل الجدوى نفسها: هل بقي لهذه المنظومة معنى حقيقي، أم أنها تحولت إلى لغة نبيلة تُستدعى في الخطاب وتغيب عند الامتحان الأصعب؟.
هذه الأسئلة ليست ساذجة، ولا يجوز التعامل معها بتعالٍ أو بإنكار لحجم المأساة. فهي أسئلة ولّدها واقع مُوجِع، وصاغتها خيبات متراكمة، وأعادها إلى الواجهة مشهد دولي يبدو فيه أحيانًا أن النص أضعف من النار، وأن الحق أبطأ من الانتهاك. لكن المشكلة تبدأ حين ننتقل من مرارة المشهد إلى حكم نهائي على القانون نفسه من غير تمييز دقيق بين وجود القاعدة وبين احترامها، وبين قيمة القانون وبين ضعف الإرادة السياسية أو قصور الإنفاذ. ومن هنا، فإن النقاش الجاد لا يبدأ من الاستسلام للإحباط، بل من إعادة ترتيب الأسئلة على أسس علمية ومنطقية.
القانون قاعدة ملزمة لا مجرد أمنية أخلاقية
قبل أن نسأل عن فاعلية القانون الدولي، ينبغي أن نسأل أولًا: ما القانون أصلًا؟
القانون، في معناه العام، هو مجموعة من القواعد العامة والمجردة التي تنظم السلوك داخل المجتمع، وتحدد الحقوق والواجبات، وتبين ما يجوز وما لا يجوز. لكنه لا يُعَرَّف فقط بوظيفته التنظيمية، بل أيضًا بطبيعته الإلزامية؛ فالقاعِدة القانونية تقترن بجزاء يترتب على مخالفتها، سواء تمثل هذا الجزاء في العقوبة، أو البطلان، أو التعويض، أو المسؤولية، أو غير ذلك من الآثار التي يقررها النظام القانوني. وهذا هو الفارق الجوهري بين القانون وبين النصيحة الأخلاقية أو المجاملة الاجتماعية: القانون لا يكتفي بأن يقول ما ينبغي، بل يربط المخالفة بأثر.
أما القانون الدولي العام فهو ذلك الفرع من القانون العام الذي ينظم العلاقات بين أشخاص المُجتمع الدولي، وفي مقدمتهم الدول والمنظمات الدولية، ويحدد ما لها من حقوق وما عليها من التزامات في السلم والحرب، وفي التعاون والنزاع، وفي الاقتصاد والبيئة وحقوق الإنسان وغيرها. والأمم المتحدة تصف القانون الدولي بأنه متجسد في المعاهدات والاتفاقيات والمعايير التي تُشَكل أساسًا لتنظيم العلاقات الدولية والعدالة الدولية. وهذا معناه أن القانون الدولي ليس خطابًا أخلاقيًا عامًا، بل إطار قانوني ينظم حياة المجتمع الدولي ويضبط تفاعلاته.
وفي داخل هذا البناء الأوسع، يأتي القانون الدولي الإنساني بوصفه الفرع الذي ينظم النزاعات المسلحة ويهدف، لأسباب إنسانية، إلى الحد من آثارها. واللجنة الدولية للصليب الأحمر تُعرفه بأنه مجموعة من القواعد التي تسعى إلى حماية الأشخاص الذين لا يشاركون، أو كفوا عن المشاركة، في الأعمال العدائية، وتفرض قيودًا على وسائل الحرب وأساليبها. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن القانون الدولي الإنساني لا يقوم على افتراض عالم خالٍ من الحروب، بل على محاولة الحد من همجيتها حين تقع.
أين تكمن المغالطة في الحكم على القانون الدولي من خلال انتهاكه؟
المغالطة هنا بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة التأثير: أن نرى الخرق، فنحكم على القاعدة نفسها بالعدم. وهذه مُغالطة لأن الخطأ في التطبيق لا يعني بالضرورة فساد النظرية. فوجود السرقات لا يبطل قيمة التجريم، ووقوع القتل لا يجعل القانون الجنائي بلا معنى، وفساد بعض الممارسات لا ينسف فكرة العدالة ذاتها. وبالمنطق نفسه، فإن كثرة انتهاكات القانون الدولي لا تعني سقوط القانون الدولي، بل تعني أولًا أن هناك قواعد قائمة جرى خرقها. فالانتهاك لا يُتصوَّر أصلًا إلا إذا وجد معيار سابق يميز بين المشروع وغير المشروع. ولهذا فإن تكرار الحديث عن العدوان، وجرائم الحرب، والانتهاكات الجسيمة، والمسؤولية الدولية، يفترض وجود قواعد قانونية حاكمة، لا فراغًا معياريًا.
ومن هنا، فإن المشكلة لا تبدأ من غياب القانون، بل من ضعف الامتثال له، أو من القصور في إنفاذه، أو من اختلال موازين القوة السياسية التي تعيق المساءلة في بعض الأحيان. والخلط بين هذه المستويات هو الذي يدفع بعض الناس إلى استنتاجات متعجلة. فحين يفشل بعض الفاعلين في احترام القانون، لا يكون الاستنتاج الصحيح أن القانون لا قيمة له، بل أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان احترامه، وتقوية أدوات تطبيقه، ومراكمة الإرادة السياسية والمؤسسية الداعمة له.
لماذا لا يزال القانون الدولي مهمًا في الممارسة العملية؟
لو كان القانون الدولي بلا فائدة فعلًا، لما أمكن تفسير انتظام هذا القدر الهائل من العلاقات الدولية اليومية. فالعالم الحديث لا يعمل بالقوة وحدها، بل يعمل أيضًا بقواعد مشتركة تنظم التجارة، والطيران، والملاحة، والبريد، والاتصالات، والتعاون الصحي والبيئي والإنساني. ومنظمة التجارة العالمية تصف نفسها بأنها الجهة المعنية بالقواعد العالمية للتجارة بين الدول، وهدفها أن تسير التجارة بأكبر قدر ممكن من السلاسة والقدرة على التنبؤ. وفي مجال الطيران المدني، تؤكد منظمة الطيران المدني الدولي أن المعايير والممارسات الدولية تساعد الدول على إدارة مخاطر السلامة وتنسيق العمل في هذا القطاع الحيوي. كما يقرر الاتحاد البريدي العالمي التزامات مشتركة تضمن استمرارية الخدمة البريدية الدولية. هذه ليست تفاصيل فنية هامشية؛ إنها دليل عملي على أن القانون الدولي ينظم العالم كل يوم، حتى حين لا يلتفت إليه الناس لأنهم اعتادوا ثماره.
وهذا الفهم لا تقوله المؤسسات وحدها، بل تؤيده أيضًا الأدبيات الأكاديمية الحديثة. فالبحوث المعاصرة حول امتثال الدول للقانون الدولي لا تنتهي إلى أن الدول تمتثل دائمًا، لكنها أيضًا لا تنتهي إلى أن القانون بلا أثر. بل تشير إلى نتيجة أكثر توازنًا: أن القانون الدولي يُقيّد سلوك الدول بدرجات متفاوتة، وأن الامتثال له يحدث كثيرًا، وإن لم يكن كاملًا أو متساويًا في جميع الملفات. وقد أظهرت دراسة حديثة صادرة عن كامبريدج عام 2024 أن غالبية المسؤولين السابقين الذين شملتهم الدراسة يرون أن القانون الدولي يقيّد سلوك الدول بدرجة ما، وأن الدول تمتثل له في عدد كبير من الحالات. وهذا مهم؛ لأن وعي الجمهور يتغذى غالبًا على لحظات الانتهاك الصارخة، بينما يبقى عدد كبير من صور الامتثال اليومي بعيدًا عن الضوء.
لماذا لا يسقط القانون الدولي الإنساني حتى مع كثرة الانتهاكات؟
هنا تبدو الحجة أكثر حساسية؛ لأن الاعتراض على مستوى العقل الجَمعي في هذه النقطة أكثر مرارة: ما قيمة قانون إنساني تُرتكب أمامه المجازر؟ والجواب الصريح هو أن القانون الدولي الإنساني لا يفقد قيمته لأن بعض الأطراف تنتهكه، بل تظهر ضرورتُه على نحو أشد في اللحظة التي يتعرض فيها الإنسان للخطر. فاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 أصبحت ذات تصديق عالمي شامل من جميع الدول، وهو ما يعبر عن اعتراف عالمي بأن الحرب، مهما اشتدت، لا يجوز أن تُترك بلا قواعد. واللجنة الدولية للصليب الأحمر تؤكد أن هذه الاتفاقيات تحتوي أهم القواعد التي تحد من بربرية الحرب وتحمي المدنيين، والعاملين الطبيين، وفرق الإغاثة، والجرحى، والمرضى، والأسرى.
ومن دون هذه القواعد، لا يعود من الممكن قانونًا أن نقول إن استهداف المدنيين جريمة، أو إن التعذيب محظور، أو إن التجويع الجماعي أو العقاب الجماعي فعل غير مشروع. ومن دونها ينهار الحد الأدنى من اللغة القانونية المُشتركة التي تسمح بالتوثيق والمطالبة بالإغاثة والمساءلة. ولهذا فإن بقاء القانون الدولي الإنساني ليس ترفًا نظريًا، بل ضرورة عملية وأخلاقية. صحيح أنه لا يمنع كل جريمة، لكنه يمنع أن تصبح الجريمة أمرًا غير قابل للتسمية، ويمنع أن يصبح الضحايا بلا لغة قانونية تدافع عنهم.
لماذا تظل الدول حريصة على الظهور بمظهر الملتزم بالقانون؟
هذه من أقوى الحجج ضد فكرة أن القانون الدولي عديم الفائدة. فالدول، حتى حين تُتهم بخرقه، لا تتصرف عادة كما لو أنه بلا معنى. هي لا تقول غالبًا: نحن نفعل ما نشاء لأن القانون لا يهم. بل تقول: ما فعلناه مشروع، أو دفاع عن النفس، أو متفق مع القانون، أو خارج نطاق الحظر. وهذا وحده يكشف أن القانون الدولي ما زال معيارًا حاضرًا في حسابات الدول، وأن وصف السلوك بأنه غير مشروع يظل أمرًا تخشى كثير من الدول آثاره السياسية والمعنوية.
والأدبيات الحديثة تفسر ذلك بوضوح: الدول تحسب حساب السُمعة، والمعاملة بالمثل، والجزاءات المباشرة وغير المباشرة، وتأثير صورتها على علاقاتها وتحالفاتها ومكانتها. والدولة التي تُعرف باحترام القانون الدولي تكتسب صورة أفضل في نظر الدول الجادة والمؤسسات الدولية التي تجعل احترام القانون معيارًا للتحضر السياسي والموثوقية والاستقرار. وعلى العكس، فإن الدولة التي يترسخ عنها الاستخفاف بالقانون الدولي تلحق بسُمعتها أضرار سياسية واعتبارية قد لا تقل أثرًا عن بعض الخسائر المادية المباشرة. ولذلك فإن احترام القانون الدولي لا يرفع فقط القيمة الأخلاقية للدولة، بل يعزز مكانتها بين الدول المتحضرة، بينما يُضعف انتهاكه صورتها وشرعيتها ويجعلها أكثر عرضة للعزلة والشك والضغط.
ولماذا ما زلنا بحاجة إلى طلاب متفوقين وممارسين أقوياء في القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني؟
لأن اللحظة التي تتكاثر فيها الانتهاكات ليست لحظة الانصراف عن القانون، بل لحظة التمسك به بإتقان أكبر. العالم لا يحتاج اليوم إلى عدد أقل من دارسي القانون الدولي، بل إلى عدد أكبر من الباحثين الجادين، والمحامين المؤهلين، والدبلوماسيين القادرين على التفاوض، والقضاة البارعين، والعاملين في التوثيق والإغاثة، وكل من يستطيع أن يحول النصوص إلى حُجج، والوقائع إلى ملفات، والانتهاكات إلى مطالبات قانونية مؤسَّسة. فالقانون لا يعمل وحده؛ إنه يحتاج إلى عقول تفهمه جيدًا، وتعرف حدوده، وتعرف كذلك كيف تُفعِّله في المُؤسسات والجامعات والمحاكم والمُنظمات.
ولهذا فإن دراسة القانون الدولي، ودراسة القانون الدولي الإنساني بوجه خاص، ليستا ترفًا فكريًا ولا تخصصًا هامشيًا. إنهما من أكثر الحقول إلحاحًا في هذا الزمن، لأن عالمنا لم يعد عالمًا بسيطًا؛ بل هو عالم تتداخل فيه الحرب بالإعلام، والسياسة بالقانون، والحقوق بالمصالح، والسرديات بالوقائع. والطالب الذي يتفوق في هذا الحقل لا يتعلم نصوصًا ومصطلحات فقط، بل يتعلم كيف يميز بين الادعاء والحجة، وبين الانفعال والتحليل، وبين الصدمة المشروعة والحكم القانوني الرصين. وهذا ما يحتاجه العالم الآن أكثر من أي وقت مضى.
خاتمة
ليس صحيحًا أن القانون الدولي يفقد قيمته كلما كثرت مخالفته. الصحيح أن قيمته تظهر على نحو أشد كلما احتاج العالم إلى قاعدة تضبط القوة، ومعيار يميز بين المشروع وغير المشروع، ولغة قانونية تسمح بتسمية الجريمة باسمها، وبحماية الضحية، وبمنع الاستسلام الكامل لمنطق الغلبة. إن الانتهاك لا يُثبت موت القانون، بل يُثبت أن هناك قانونًا جرى خرقه، وأن الإنسانية ما زالت في حاجة إلى من يدافع عن بقائه وفاعليته وكرامته. ولذلك فإن اليأس من القانون الدولي، مهما بدا مفهومًا تحت ضغط المشاهد القاسية، لا يقدم حلًا، بل يفتح الباب لفوضى أوسع، وعنف أقل انضباطًا، وعالم أقل عدلًا.
ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تبقى واضحة وحاسمة هي أن القانون الدولي لا يمكن أن يفقد قيمته ما دام العالم يحتاج إلى تنظيمٍ للعلاقات بين الدول، وما دام الإنسان يحتاج إلى حد أدنى من الحماية حين تنهار السياسة أو تتوحش الحرب. وما نحتاجه اليوم ليس الانصراف عنه، بل مزيدًا من الإيمان العلمي الجاد به، ومزيدًا من الطلاب والممارسين الذين يتقنونه، ويحسنون الدفاع عنه، ويعرفون كيف يجعلون من النصوص أدوات حماية لا مجرد عبارات في الكتب. فالعالم سيظل بحاجة إلى القانون ما دام فيه نزاع، وستظل الإنسانية بحاجة إلى من يتميزون في هذا الحقل ما دام فيها من يريد أن يجعل القوة منضبطة بالحق، وأن يجعل الحق مسنودًا بالعقل، وأن يجعل الإنسان، حتى في أوقات الخطر، جديرًا بالحماية لا بالنسيان.