في ممرات المكاتب الضيقة، وبين طيات الملفات وأصوات لوحات المفاتيح الرتيبة، تدور رحى حرب صامتة، أبطالها بشر قرروا أن الرزق "غنيمة" تؤخذ بالمغالطة لا بالسعي، وبالكيد لا بالكفاءة.
هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم حراساً على خزائن السماء، يظنون واهمين أن عرقلة زميل أو النيل من سمعة رفيق درب في المهنة سيفتح لهم أبواب الثراء الموصدة، متناسين في غمرة طيشهم أن "اللقمة" مقسومة قبل أن تخطو أقدامهم عتبات المكاتب.
إن المشهد في بعض بيئات العمل اليوم بات يضج بنماذج أدمنت "تطبيخ" المؤامرات بدلاً من إتقان المهام، حيث يرى البعض في نجاح زميله تهديداً مباشراً لمكتسباته، فيبدأ في نسج خيوط الواشية، وبذر أشواك الإحباط في طريق المبدعين.
هو صراع الأكتاف الذي لا يورث إلا ضيق الصدر، وهوس السيطرة الذي يحول بيئة العمل من محضن للإبداع إلى "غابة" إسمنتية، يقتات فيها البعض على فتات يظنونه كسباً غزيراً، بينما هو في حقيقته "سحت" معنوي يحرق بركة العمر والمال.
العجيب في أمر هؤلاء المتصارعين، أنهم يبذلون من الجهد في "أذية" غيرهم ما لو بذلوه في تطوير ذواتهم لبلغوا عنان السماء، لكنها عمى البصيرة التي تجعلهم يلهثون خلف "رزق مزعوم" يُنتزع من بين أنياب المكائد.
يتغافلون بجهالة عن الحقيقة الكبرى التي لا تقبل التأويل، وهي أن السماء لا تمطر ذهباً بالواشية، وأن الأرزاق بيد "الرزاق" وحده، الذي لا يغلق باباً فتحته الأقدار، ولا يمنع فضلاً ساقه الإخلاص.
إن السعي الحقيقي هو ذاك الدأب الشريف، والركض الذي تتبعه طمأنينة النفس بأن ما كان لك سيأتيك على ضعفك، وما كان لغيرك لن تناله بقوتك ولا بمكرك.
إننا بحاجة لإعادة الاعتبار لمفهوم "البركة" التي تأتي من نظافة اليد وسلامة الصدر، فما قيمة الكسب الواهي إذا كان ثمنه طعنة في ظهر زميل أو سرقة مجهود رفيق؟ يبقى الرزق رحلة اختبار للنفوس، فإما أن تعبرها بترفّع المخلصين، أو تغرق في وحل الطامعين، ويبقى وجه الله وحده هو الغاية، وعنده تجتمع الخصوم وتنكشف الأقنعة.