خالد دومة يكتب: شظايا

الإثنين، 27 أبريل 2026 11:55 م
خالد دومة يكتب: شظايا خالد دومه

كان صوتها يرتجف في حلقها، يخرج مضطربًا، تعلوه مسحة خوفٍ قديم لازمها حتى صار جزءًا منها, لم يكن خوفًا واضح الملامح، بل كان غامضًا، محمّلًا بأشياء مبهمة تعجز عن تحديدها، أو لعلها كانت تفرّ منها حتى لا تواجه نفسها بالحقيقة.

كانت تخشى الاعتراف بأن الزمن سرقها، ولم تتزوج، فمضت سنوات تخدع نفسها. كلما وقفت أمام المرآة، تأملت وجهها طويلًا، وأُعجبت بجمالٍ تراه نادرًا، تحسد نفسها عليه, كانت تحدث نفسها بدهشة: كيف لهؤلاء الناس أن تعمى أبصارهم عن جمالٍ خارق كالذي ينعكس في المرآة؟ كيف لا يرونه؟ كانوا في نظرها، غير مؤهلين لإدراكه، أذواقهم وعيونهم لا تتجاوز تراب الأرض، ووجوههم – كما تظن – تعكس قبح سرائرهم، فلا يفقهون معنى الجمال الحقيقي.


لم ينقطع دفاعها عن نفسها يومًا. كانت الحقيقة حاضرة في داخلها، تعرفها جيدًا، لكنها كانت تدفعها بعيدًا، وترفض أن تسمعها. وإن خالفها أحد، رأت في رأيه عجزًا وقصورًا، أما هي فلا شيء يشين جمالها سوى حسد الآخرين وحقدهم.
غير أن ابتسامتها أخذت تخفت عامًا بعد عام، وضاق مجال الضحك في حياتها. بدأت الحقيقة تزحف نحوها ببطء، وهي تقاومها بكل ما أوتيت من قوة، تدفعها بعيدًا، لكن قدميها كانتا تخونها أحيانًا. في السابق، كانت تستطيع أن تبعدها لمسافات طويلة، حتى تغيب عنها أشهرًا، أما الآن، فلم تعد تحتاج إلا لأيام قليلة لتعود وتفرض حضورها من جديد.


صارت تخاف من مواجهة نفسها، أو حتى مجرد التفكير في ذلك. كانت تدرك أن هذه المواجهة قد تهدم كل ما بنته: قلبها، ومشاعرها، وعقلها الذي طالما اعتزت به. كان الأمر أشبه ببركان، إن انفجر، لأذاب كل شيء في طريقه.


تبدلت طباعها، فأصبحت عصبية لأتفه الأسباب، تنفعل بسرعة، وتحوّل الأمور الصغيرة إلى قضايا كبرى. كانت تنظر إلى الفتيات من حولها بعينٍ ممتلئة بالتوتر والغيظ، تنتقد ما يفعلن، وما يرتدين، وكيف يتزينّ. تحاول أن تتدثر بوقارٍ مصطنع، وتُقنع نفسها أن المرأة خُلقت لغايةٍ أسمى من الزواج، كأنها تحارب صورتها القديمة, التي خدعتها طويلًا, ومع ذلك، لم تتوقف لحظة لتواجه الحقيقة حتى جاء ذلك اليوم.


وقفت أمام المرآة، لا لتتأمل، بل لتسائل. نظرت طويلًا، فرأت القبح لأول مرة، لا قبح الملامح، بل قبح الخداع. رأته عاريًا، بلا تبرير، بلا زينة, ارتفعت يداها فجأة، وضربت المرآة بكل قوتها... تحطمت في الهواء, تناثرت إلى آلاف الشظايا، وفي كل شظيةٍ انعكست صورةٌ مشوهة لها.

حدقت فيها، مذعورة, ثم همست بصوتٍ مكسور: أهذه أنا؟
وكان صدى صوتها المرتجف، واضحًا هذه المره، لا مهرب منه: نعم… هذه أنا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة