أطلت أمس، الخامس والعشرين من أبريل، ذكرى عزيزة ومجيدة، تحمل بين طياتها نسائم الفخر والانتصار، وتفيض بأسمى معاني الوفاء والولاء لوطن عظيم لم يبخل أبناؤه يوماً بدمائهم الزكية وأرواحهم الطاهرة في سبيل الحفاظ على رفعته وكرامته، إن ذكرى تحرير سيناء هي لحظة تاريخية فارقة نتوقف أمامها لنتأمل صفحات من المجد، سطرت بحروف من نور في كتاب الوطنية المصرية، فهذه الأرض المقدسة، سيناء أرض الفيروز، لم تكن في يوم من الأيام مجرد رقعة جغرافية منسية على أطراف الوطن، ولكن هي بوابته الشرقية، وحصنه المنيع، ومهبط الرسالات، والمعبر الذي سارت عليه خطى الأنبياء، ولهذا، ظلت سيناء على مر العصور مطمعاً للغزاة، وميداناً تتكسر عليه أمواج الطامعين، لتظل محفورة في وجدان كل مصري، شاهدة على بطولات وصمود شعب أصيل لا يعرف الانكسار، ولا يقبل التفريط في ذرة رمل واحدة من ترابه المقدس.
ولكي ندرك حجم الإنجاز الذي نحتفل به اليوم، لابد أن نعود بالذاكرة إلى الوراء، لنستلهم روح الصمود التي تجلت في أعقاب نكسة عام 1967، ففي تلك اللحظات العصيبة نهض الشعب الأبي كطائر الفينيق ليبدأ رحلة شاقة من إعادة بناء الروح والجسد، حيث كانت حرب الاستنزاف هي البداية الحقيقية لكسر حاجز الخوف، وتدريب الإرادة الوطنية على تحدي المستحيل، وصولاً إلى اللحظة الفارقة في السادس من أكتوبر، حين زلزل جيش مصر العظيم الأرض تحت أقدام المحتل، محطماً أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وعابراً أكبر مانع مائي في التاريخ الحديث، حيث أثبت الجندي المصري في تلك المعركة الخالدة أن قوة الإيمان وعقيدة النصر قادرتان على قهر أعتى التحصينات، وأن الدم المصري الذي روى رمال سيناء هو الثمن الأغلى الذي دفع عن طيب خاطر لاسترداد الكرامة المسلوبة.
غير أن معركة استرداد سيناء لم تتوقف عند حدود الانتصار العسكري المبهر، فامتدت لتشمل ملحمة دبلوماسية لا تقل ضراوة وتعقيداً عن معارك السلاح، وأدركت الدولة المصرية بحكمتها المعهودة أن النصر الحقيقي يكتمل حين تتزاوج القوة العسكرية مع الحنكة السياسية، فخاضت مصر مفاوضات شاقة وطويلة، متسلحة بإرادة السلام القائم على العدل والحق، حتى تم تتويج هذا المسار برفع العلم المصري على مدينة طابا، آخر بقعة من التراب الوطني، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من السيادة الكاملة والقرار الوطني المستقل، إن هذه التجربة الفذة تؤكد للعالم أجمع أن مصر تقاتل بشرف، وتفاوض بشرف، وأن العقل المصري يمتلك من الحجج والبراهين والقدرة على إدارة الصراع القانوني والدبلوماسي ما يجعله قادراً على انتزاع حقه كاملاً غير منقوص، ليتحقق للشعب المصري ما أراد بسلام مشرف وتحرير تام.
ولأن قدر الأوطان العظيمة أن تظل دائماً في حالة يقظة واستعداد لمواجهة التحديات المتجددة، فلم تلبث سيناء أن واجهت امتحاناً جديداً لا يقل خطورة عن الاحتلال الأجنبي، وهو خطر الإرهاب الأسود، حيث سعت قوى الشر والظلام إلى استغلال الطبيعة الجغرافية لسيناء ومحاولة عزلها عن جسد الوطن الأم، بغرض تحويلها إلى بؤرة للإرهاب والتطرف وزعزعة استقرار الدولة المصرية بأكملها، ولكن، وكما عهدناهم دائماً، تصدى أبناء مصر الشرفاء بداية من القيادة السياسية ورجال القوات المسلحة الباسلة والشرطة الوطنية، جنباً إلى جنب مع أهالي وقبائل سيناء الأبطال، لهذه الهجمة الشرسة، فقدموا تضحيات جسام، وسطروا ملاحم جديدة من الفداء، حتى تم تطهير هذه البقعة الطاهرة من براثن الإرهاب الغادر، لتثبت مصر مجدداً، قيادةً وجيشاً وشرطةً وشعباً، معدنها الأصيل وعزيمتها التي لا تلين في مواجهة كل من تسول له نفسه العبث بأمنها القومي.
وفي خضم هذه التحديات المتلاحقة، تبلورت رؤية الدولة المصرية العميقة والمستنيرة، والتي أدركت بشفافية تامة أن القضاء على الإرهاب وحماية الأرض لا ينفصلان أبداً عن مسار التنمية والتعمير، ومن ثم انطلق مفهوم العبور الثاني نحو المستقبل، وهو العبور التنموي الذي يهدف إلى تحويل سيناء من مجرد ساحة للمعارك إلى واحة خصبة للفرص والتنمية المستدامة، إن إصرار القيادة السياسية على هذا المسار يمثل نموذجاً يحتذي به لما يمكن للإرادة الوطنية أن تصنعه إذا ما توفرت لها الرؤية الثاقبة والقيادة الرشيدة، فرغم الأعباء الاقتصادية والتحديات الأمنية الكبرى، لم تتوقف عجلة البناء في سيناء ليلة واحدة، حيث سارعت الدولة الخطى لربط سيناء بقلب الوادي والدلتا، من خلال شق شبكة غير مسبوقة من الأنفاق العملاقة أسفل قناة السويس، وتطوير شبكات الطرق والمواصلات لتسهيل حركة البشر والبضائع، وإنهاء عزلة سيناء الجغرافية إلى الأبد.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فامتدت يد التعمير لتشمل كافة القطاعات الحيوية، فتم بناء مدن جديدة ذكية على أحدث النظم العالمية، مثل مدينة الإسماعيلية الجديدة ومدينة رفح الجديدة، بالإضافة إلى تطوير القرى والتجمعات البدوية بما يتناسب مع طبيعة وحياة أهالي سيناء، كما أولت الدولة اهتماماً بالغاً بتوسيع الرقعة الزراعية من خلال مشاريع عملاقة لمعالجة المياه واستصلاح مئات الآلاف من الأفدنة، إلى جانب توطين الصناعة واستغلال الموارد الطبيعية والتعدينية التي تزخر بها أرض الفيروز، إن هذه المشروعات القومية الكبرى هي أداة استراتيجية لتحقيق التوازن بين الحفاظ على السيادة الوطنية، وتوفير فرص العمل والرفاهية والحياة الكريمة للمواطنين، مما يخلق بيئة طاردة للتطرف وجاذبة للاستثمار والبناء.
وأجد لزاماً علي أن أؤكد على البعد الأهم في هذه الملحمة التنموية الشاملة، ألا وهو بناء الإنسان، فمهما شيدنا من مصانع ومدن وطرق، يظل بناء العقل والوجدان المصري هو الضمانة الحقيقية لاستدامة هذه الإنجازات والحفاظ عليها، إن ما نشهده اليوم من توسع في إنشاء الجامعات الأهلية والتكنولوجية والمدارس في قلب سيناء، يعد خطوة استراتيجية في غاية الأهمية لتمكين الشباب وتزويدهم بسلاح العلم والمعرفة، فالتنمية البشرية وتأصيل الانتماء الوطني يجب أن يسيرا جنباً إلى جنب مع التنمية العمرانية، إن المناهج التعليمية والمؤسسات التربوية تتحمل اليوم مسؤولية كبرى في غرس قيم الولاء والانتماء في نفوس الأجيال الصاعدة، وتعريفهم بحجم التضحيات التي قدمت من أجل أن يحيوا في وطن حر وآمن، وتسليحهم بالوعي النقدي القادر على تفنيد الشائعات والأفكار المتطرفة التي تحاول النيل من استقرار الوطن.
إن عظمة الشعب المصري تتجلى في آجل صورها حين يصطف خلف دولته وجيشه في أوقات المحن والمنعطفات التاريخية الكبرى، ولقد أدرك هذا الشعب الواعي أن معركة البناء والإعمار لا تقل شراسة عن معارك السلاح، فرفع شعار يد تبني ويد تحمي، لتتحول سيناء من هدف للعدوان ومسرح للعمليات العسكرية، إلى بوابة مشرعة نحو الأمل والمستقبل الواعد، وجاءت تلك الإنجازات المتلاحقة ثمرة لخطط استراتيجية علمية ومتكاملة، وتكافل حقيقي بين كافة مؤسسات الدولة، وتفان منقطع النظير من أبناء سيناء الشرفاء والمخلصين الذين يمثلون حراس البوابة الشرقية، ويشكلون الجدار المنيع الذي تتحطم عليه كل محاولات الاختراق أو العبث بأمن مصر، إن هذا التلاحم يترجم المعنى الحقيقي لمفهوم الأمن القومي الشامل، الذي يرتكز على المواطن كشريك أساسي في حماية وبناء وطنه.
ونحن نقف اليوم بكل فخر وشموخ على أرض سيناء الطاهرة، ونرى بأعيننا ما تحقق فيها من تغيير جذري وإنجازات منقطعة النظير تشهد على عبقرية الزمان والمكان، نؤكد بثقة راسخة وإيمان يقيني لا يتزعزع، أن كل محاولات المساس بأرض سيناء أو النيل من سيادة مصر عليها، لا تعدو كونها أوهاماً عابرة وسرابا خادعاً، سرعان ما يتبدد ويتحطم على صخرة الإرادة الوطنية الصلبة، فستظل أرض الفيروز مصرية خالصة، ينبض قلبها بحب مصر، وسيبقى الجيش المصري الباسل، درع الأمة وسيفها، في رباط دائم مع الشعب الأبي، أوفياء لعهد الآباء والأجداد في الدفاع عن الوطن، ومستعدين لتقديم الغالي والنفيس من أجل صون ترابه الطاهر، كما سيبقى عطاء المصريين العظيم، وإخلاصهم المتجذر في أعماق التاريخ، قوة جبارة دافعة تبني الأوطان، وتحمي المقدرات، وتضيء معالم الطريق للأجيال القادمة، فلتسلمي يا سيناء رمزاً خالداً للسيادة الوطنية، ونبعاً لا ينضب من الفخر والعزة، نستلهم من بطولاتك إرادتنا، ونستمد من صمودك عزيمتنا في الدفاع عن كل شبر من أرض مصرنا الغالية، سائلين المولى عز وجل أن يوفقنا دائماً لاستكمال مسيرة النهضة والبناء في شتى ربوع الوطن، لتبقى مصر حرة، أبية، وشامخة أبد الدهر.