في لحظات التحول الكبرى في تاريخ الدول، لا تُقاس التغيرات فقط بما يتحقق على الأرض، بل بما يُعاد تشكيله في بنية الدولة نفسها من مفاهيم وأولويات. وفي الحالة المصرية، برزت سيناء بوصفها نموذجًا مركزيًا لهذا التحول، حيث انتقلت من كونها ساحة تهديدات أمنية إلى فضاء لإعادة البناء والتنمية المتكاملة.
يمثل الخامس والعشرون من أبريل 1982 محطة مفصلية في التاريخ المصري الحديث، إذ لم يكن مجرد تاريخ لاستعادة السيادة على سيناء، بل امتدادًا مباشرًا لانتصار السادس من أكتوبر 1973، الذي أعاد صياغة ميزان القوى وفرض معادلة ردع جديدة. وقد مهّد هذا المسار لتحول سياسي ودبلوماسي انتهى باستعادة الأرض كاملة وعودة السيادة المصرية، بعد معركة في المحكمة والانتصار الساحق بعودة طابا لاحقاً.
بعد عام 2011، دخلت الدولة المصرية مرحلة شديدة الاضطراب. اتسمت هذه المرحلة بضعف نسبي في بعض أدوات الدولة، وظهور فراغات أمنية في عدد من المناطق، وعلى رأسها سيناء. واستغلت بعض الجماعات المسلحة هذا الوضع، وتمكنت من التمدد داخل بعض المناطق، مستهدفة القوات المسلحة والبنية التحتية، بما شكل ضغطًا مباشرًا على الدولة ومؤسساتها.
وخلال الفترة بين 2013 و2017، تصاعدت العمليات الإرهابية بشكل ملحوظ، حيث سُجل أكثر من 1,200 حادثة في سيناء ومحيطها. هذا الوضع دفع الدولة إلى إطلاق عملية عسكرية وأمنية شاملة، شاركت فيها القوات المسلحة والشرطة، بهدف استعادة السيطرة الميدانية وتفكيك البنية التنظيمية لتلك الجماعات. وقد كلفت هذه المواجهة الدولة تضحيات كبيرة من الشهداء والمصابين.
بالتوازي مع المسار الأمني، بدأت الدولة تنفيذ استراتيجية أوسع لإعادة بناء سيناء على أسس جديدة. منذ عام 2014، تم إطلاق مشروعات تنموية ضخمة تستهدف ربط سيناء بباقي الدولة وإنهاء عزلتها الجغرافية. وشمل ذلك إنشاء أنفاق قناة السويس، وتطوير شبكة طرق تتجاوز 4,000 كيلومتر، بما عزز من حركة النقل والتجارة وربط المنطقة اقتصاديًا بالوادي والدلتا.
كما تم ضخ استثمارات تتجاوز 900 مليار جنيه في سيناء ومدن القناة، شملت قطاعات الإسكان والطاقة والخدمات. وتم إنشاء أكثر من 100 ألف وحدة سكنية، إلى جانب تطوير مدن جديدة مثل شرق بورسعيد والإسماعيلية الجديدة. وفي القطاع الخدمي، جرى إنشاء وتحديث أكثر من 15 مستشفى و70 مدرسة، في إطار بناء بنية اجتماعية متكاملة تدعم الاستقرار.
وفي المجال الزراعي، تعمل الدولة على استصلاح أكثر من 500 ألف فدان ضمن مشروع تنمية سيناء، مدعومًا بمحطات مياه كبرى، أبرزها محطة معالجة مياه بحر البقر، التي تُعد من أكبر محطات المعالجة عالميًا. ويهدف هذا التوجه إلى تحويل سيناء من منطقة ذات طابع أمني إلى منطقة إنتاج وتنمية مستدامة.
كما لعبت المؤسسات التعليمية دورًا مهمًا في هذا التحول، من خلال إنشاء جامعات جديدة مثل جامعة الملك سلمان الدولية، بما يسهم في إعداد كوادر بشرية قادرة على مواكبة متطلبات التنمية في الإقليم وربط التعليم بالاقتصاد المحلي.
ورغم هذا المسار التنموي، تزامن مع حملات تشكيك استهدفت طبيعة المشروعات القومية في سيناء، عبر الترويج لمفاهيم مثل التهجير أو تغيير الخريطة السكانية. إلا أن الواقع الفعلي يعكس اتجاهًا مختلفًا، يتمثل في توسع عمراني واضح، وتوطين سكاني داخل مجتمعات جديدة مزودة بالخدمات الأساسية.
ولا يمكن فصل هذه التحولات عن الدور المحوري للمؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها القوات المسلحة والشرطة، باعتبارهما الركيزة الأساسية في معادلة الأمن والتنمية. فقد أصبح الأمن شرطًا للتنمية، وأصبحت التنمية بدورها أداة لتعزيز الاستقرار ومنع عودة الفوضى.
في النهاية، لم تعد سيناء مجرد ملف أمني أو منطقة حدودية، بل تحولت إلى نموذج لإعادة بناء الدولة من الداخل، حيث تتكامل أدوات القوة مع أدوات التنمية في صياغة واقع جديد، يقوم على الاستقرار طويل المدى وإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية للدولة المصرية.