شحاتة زكريا

سيناء رجعت… لكن الحكاية لسه مستمرة

السبت، 25 أبريل 2026 01:37 م



ليست كل العودة نهاية وليست كل استعادة اكتمالا للحكاية. فهناك لحظات في تاريخ الأمم تبدو في ظاهرها خاتمة مجيدة لكنها في حقيقتها بداية لمسار أكثر تعقيدا وأعمق أثرًا. وسيناء في وجدان المصريين لم تكن يوما مجرد أرض عادت بل كانت اختبارا مستمرا لمعنى الوطن وحدود القدرة وفكرة البقاء نفسها.. في 25 أبريل نستعيد صورة الانتصار، نُحيي لحظة رفع العلم ونستدعي مشهدا مكتملا في رمزيته. لكن الحقيقة أن هذه الصورة رغم عظمتها لا تروي كل شيء. لأن ما بعد التحرير في كثير من الأحيان أصعب من التحرير ذاته. فاسترداد الأرض معركة تخاض بالسلاح والإرادة أما الحفاظ عليها وبناؤها وتحويلها إلى قيمة مضافة في حياة الناس فهو معركة من نوع آخر تُخاض بالصبر وبالرؤية، وبالقدرة على تحويل الحلم إلى واقع.. سيناء لم تعد فقط في الجغرافيا بل عادت إلى سؤال أعمق: ماذا نفعل بما استرددناه؟ كيف نحول النصر إلى استقرار والاستقرار إلى تنمية والتنمية إلى حياة حقيقية يشعر بها المواطن؟ هنا تحديدا تبدأ الحكاية التي لا تُروى كثيرا لأنها لا تحمل صخب المعارك ولا وهج اللحظات الحاسمة لكنها تحمل ما هو أبقى: بناء المعنى.. الحديث عن سيناء في هذا السياق لم يعد يحتمل الاختزال في خطاب عاطفي أو استدعاء مستمر للماضي رغم أهميته. فالأمم التي تتوقف عند لحظة انتصارها تفقد القدرة على صناعة انتصارات جديدة. وسيناء بما تحمله من موقع فريد وثقل استراتيجي وإمكانات غير مستغلة بالكامل تفرض علينا أن ننظر إليها بعين المستقبل لا بعين الذاكرة فقط.. وهنا تتكشف زاوية مختلفة: سيناء ليست فقط ملفا تنمويا أو أمنيا بل مرآة لطريقة تفكير الدولة والمجتمع معا. كيف نرى الأطراف؟ هل نتعامل معها كامتداد طبيعي للجسد الوطني أم كمساحات تحتاج إلى دمج مستمر؟ كيف نوازن بين ضرورات الأمن وحقوق التنمية واحتياجات الإنسان؟ هذه الأسئلة رغم بساطتها الظاهرية تحمل في طياتها تعقيدات كبيرة لأنها تتعلق بكيفية إدارة الدولة لذاتها قبل أن تكون مجرد إدارة لقطعة أرض.

ما جرى في السنوات الأخيرة من جهود لإعادة إعمار سيناء ومد شبكات الطرق وإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة ليس مجرد عمل إنشائي بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المكان والإنسان. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في إقامة المشروعات بل في قدرتها على الاستمرار وعلى جذب الحياة إليها وعلى خلق إحساس حقيقي لدى المواطن بأن هذه الأرض ليست فقط مُؤمّنة بل مأهولة ومفعمة بالفرص.

الفرق بين الأرض التي تسترد والأرض التي تعاش هو الفرق بين السيادة النظرية والسيادة الفعلية. فالدولة لا تقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها بل بقدرتها على جعل هذه الحدود جزءا حيا من نسيجها الاقتصادي والاجتماعي. وسيناء في هذا المعنى لا تزال في قلب هذا التحدي: كيف تتحول من مساحة ذات حساسية خاصة إلى مساحة طبيعية يعيش فيها الناس ويستثمرون ويحلمون دون استثناء؟

لكن ربما الزاوية الأهم والتي لا يُلتفت إليها كثيرا هي البعد الإنساني في الحكاية. فسيناء ليست فقط طرقا ومشروعات بل بشر لهم تاريخ وثقافة وتحديات وتطلعات. والنجاح الحقيقي لأي مشروع هناك لا يقاس بعدد الكيلومترات الممهدة بل بمدى اندماج الإنسان السيناوي في هذه الرؤية وشعوره بأنه شريك فيها لا مجرد متلق لها.. إن التنمية التي لا تُشرك الإنسان تظل ناقصة مهما بدت متماسكة. والوعي الذي لا يُبنى بالتوازي مع البناء يظل هشا قابلا للاهتزاز أمام أي تحد. ومن هنا فإن الحكاية المستمرة لسيناء ليست فقط حكاية دولة تبني، بل حكاية مجتمع يعاد تشكيله وعلاقة تعاد صياغتها وثقة تبنى يوما بعد يوم...وفي ظل ما يشهده الإقليم من تحولات تزداد أهمية سيناء ليس فقط كموقع جغرافي بل كجزء من معادلة أكبر تتعلق بالأمن القومي وبالتوازنات الإقليمية وبمستقبل المنطقة ككل. وهذا يضيف بعدا آخر للحكاية: أن ما يجري في سيناء لا يؤثر فقط على الداخل بل ينعكس على صورة الدولة وقدرتها على الفعل في محيطها.. لكن وسط كل هذه الأبعاد يبقى السؤال الأكثر بساطة والأكثر عمقا في الوقت ذاته: هل اكتملت الحكاية؟ والإجابة ببساطة لا. لأن الحكايات الكبرى لا تنتهي بل تتجدد. وسيناء التي عادت يوما بدماء الشهداء تحتاج كل يوم إلى جهد جديد وفكرة جديدة وإرادة لا تقل صلابة عن تلك التي حررتها...إن استدعاء ذكرى التحرير يجب ألا يكون فقط لحظة احتفاء بل لحظة مراجعة أيضا. مراجعة لما تحقق وما لم يتحقق لما تغير وما لا يزال يحتاج إلى تغيير. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي تجربة وطنية هو أن تتحول إلى ذكرى نحتفي بها دون أن نُكملها بالفعل.

سيناء رجعت.. نعم هذه حقيقة لا تقبل الجدل. لكن الحقيقة الأكبر أن العودة ليست خط النهاية بل نقطة الانطلاق. وأن الأرض مهما كانت قيمتها تظل بحاجة إلى من يمنحها الحياة ويحولها من مساحة على الخريطة.إلى جزء نابض في قلب الوطن...وهنا فقط نفهم أن الحكاية لم تنتهي وأن ما بدأ بالدم يجب أن يُستكمل بالعقل وبالعمل وبالإيمان بأن الأوطان لا تُسترد مرة واحدة بل تُبنى كل يوم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة