في "حارة الخرنفش" العريقة بالقاهرة، يقف "عم رجب نجم" وسط إمبراطوريته الخاصة من الحديد والنحاس. رجب، الذي قارب الخامسة والسبعين من عمره، ليس مجرد تاجر "أنتيك"، بل هو حارس أسرار "خزائن البنوك" التي يمتد تاريخ بعضها لأكثر من قرن ونصف.
يسترجع عم رجب بداياته قائلاً: "أول ما اشتغلت كان معايا 35 قرش، بدأت بيهم وأنا عندي 13 سنة". اليوم، وبعد 61 عاماً من العمل الدؤوب، أصبح رجب مرجعاً في عالم الخزائن المصفحة، مستنداً إلى إرث عائلي بدأه جده ثم والده، وهو الآن يمرر أمانة المهنة إلى أحفاده لضمان استمراريتها.
بثقة كبيرة، يستعرض عم رجب مقتنياته التي يجلبها من مزادات البنوك الكبرى، مشيراً إلى خزنة فرنسية مهيبة: "دي مصفحة، لو اضرب فيها قنابل مش هتفتح، اللي عنده خزنة زي دي كأنه عنده البنك في بيته".
ومن بين القطع النادرة في محله، تبرز خزنة "رتنر" (Ratner) الإنجليزية التي صُنعت في لندن قبل 150 عاماً، والمزدوجة الأبواب، والتي حصلت على نياشين عالمية من مختلف البلاد، وتزن وحدها نحو 3 أطنان.
لا يقتصر محل عم رجب على الفولاذ، بل يضم قطعاً فنية يرفض التفريط فيها مهما كان الثمن، مثل النجف الفرنسي النادر و"السماور" الروسي القديم الذي كان يُستخدم لغلي الماء بالفحم. يقول رجب وعيناه تلمعان بالحب: "الحاجات دي مش ببيعها، دي زينة ليا لأني بحبها، وأي حاجة قديمة سليمة ما أسيبهاش لأنها مش هتتعوض تاني".
واختتم "عم رجب" حديثه بنصيحة غالية لكل محبي التراث، مؤكداً أن القيمة ليست في المادة فقط بل في الندرة والتاريخ، قائلاً: "اللي عنده أي حاجة قديمة وسليمة ما يفرطش فيها، دي كنز وما بتتعوضش". ففي عالم عم رجب، كل قطعة هي "حفيد" يعرف تفاصيله وأسراره، وعلاقة حب لا تنتهي بمرور الزمن.