نجلاء الملاح تكتب: صرح المعهد العالى للسينما

الخميس، 23 أبريل 2026 02:08 م
نجلاء الملاح تكتب: صرح المعهد العالى للسينما نجلاء الملاح

تكمنُ عظمةُ المعهد العالي للسينما في كونه ليس مجرد صرح تعليمي عابر، بل هو مؤسسةٌ عريقةٌ تمنحُ للموهبة الفطرية صقلًا ومنهجًا؛ إنه الملاذُ الذي تلتقي فيه طاقةُ المبدعين المطبوعة في أرواحهم، مع خبراتِ أكاديميين كبار أفنوا أعمارهم في فكِّ شفرات الفن السابع، هنا، تتحولُ الفطرةُ إلى احتراف، وتتحولُ الهوايةُ إلى رسالةٍ حيةٍ تغذي وجدانَ الفن وتمنحهُ دماءً جديدةً، قادرةً على حفرِ أثرٍ باقٍ في سجلاتِ الإبداع الإنساني.

ثمة أماكن لا تطأها أقدامنا إلا بعد أن تستعمر أرواحنا وتستوطن خيالنا سنواتٍ طوال، وبالنسبة لي، ولملايين المسكونين بغواية "الصورة، والكلمة"، لم يكُ المعهد العالي للسينما بأكاديمية الفنون مجرد صرح أكاديمي قابع في محافظة الجيزة؛ بل كان ولا يزال "مِحرابًا" تُقام فيه صلوات الفن، وقلعةً حصينة تُنسج بين جدرانها تعويذات السحر الذي نُطلق عليه "الفن السابع".

لا أذكر على وجه الدقة متى وُلدت بذرة هذا العشق، لكني أتذكر جيدًا تلك اللحظة التي طويتُ فيها صفحة "الثانوية العامة"؛ حينها لم تكُ عيناي ترنوان سوى لتلك البوابات العريقة، كان حُلمًا مؤجلًا، لكنه من فرط صدقه أبى أن يذوي أو يشيخ بمرور الأيام. ظلت روحي معلقةً هناك، أنتظر اللحظة التي تكتمل فيها دورة الشغف، لأعبر من ضفة المشاهد والمُحب، إلى ضفة الصانع والمُتعلم.

كأديبة، لطالما كانت الكلمة هي ملاذي وسلاحي، أبني بها عوالم من حبر وورق، وأنسج من الحروف حيواتٍ تتنفس بين دفتي كتاب. لكني أدركت أن ثمة سحرًا آخر، أشد وطأةً وأعمق أثرًا، يكمن في تحويل هذا الحبر إلى نبض، وضوء، وحركة.

منذ تأسيسه في أواخر الخمسينيات، أخذ المعهد العالي للسينما على عاتقه مهمة وطنية وثقافية ثقيلة؛ ألا وهي تأسيس صناعة سينمائية تستند إلى العلم والمنهجية الأكاديمية، بين ردهاته، تتلمذت أجيال على أيدي كبار الرواد، ولم يكتفِ المعهد يومًا بتخريج فنيين أو حرفيين، بل أهدى الشاشة العربية مفكرين وفلاسفة للصورة، حملوا قضايا مجتمعهم وترجموها إلى لغة سينمائية عالمية عابرة للحدود.

إن سحر معهد السينما لا يقتصر على قاعات المحاضرات الكلاسيكية؛ بل يمتد إلى تفاصيله الحية التي تتنفس إبداعًا، في هذا المكان، تمتزج رائحة أشرطة "السيلولويد" القديمة مع طموحات التكنولوجيا الحديثة، وتتقاطع رؤى الطلاب المتمردة مع حكمة وخبرات الأساتذة، لتشكل "روح المعهد" المتفردة؛ روح التجريب المستمر والبحث الدائم عن الحقيقة.

في عصرٍ تتسارع فيه وتيرة الاستهلاك البصري وتتغير آليات التلقي، يظل المعهد العالي للسينما حائط الصد الأخير للجمال، والحارس المؤتمن على الهوية السينمائية الأصيلة.

أطوي اعترافي بوتيرة مجددة؛ فالكتابةُ عندي صلاةُ حبٍّ طويلة، وحروفي ليست سوى قطعٍ من روحي نُثرت لتؤنسَ وحشةَ قلبي قبل العابرين.

واليوم، جئتُ لمحرابِ الفنون؛ لأتعلمَ كيف أمنحُ هذا الحبَّ جسدًا من ضوء، وكيف أجعلُ حكاياتي، وأقلامي تتنفسُ في رئةِ السينما.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة