وضعوه على الصليب بمؤامرة، وأسقطوه بحقارة.. وفيما ظلوا قرونا يُنكرون الأولى، وما زالوا، أُقيمت الحجة عليهم فى الثانية بالصورة والدليل؛ فاعترفوا مُرغمين، وعلى غير عادتهم.
ونتنياهو للآن على موقفه المُركَّب، يستكبر على مُعارضيه بحماية الولايات المُتحدة، ويُلمّح لداعميه بالسيطرة على قرارها، ويُكابر فى الاعتراف بخطاياه، وكَونه السبب فيما تعيشه المنطقة حاليا من أردأ فصول الصراع، بلا مَخرج، ولا نتائج مضمونة وآمنة.
تُكتَشف الحقائق فى إسرائيل متأخرة دومًا، وبعد كحت طبقات من الأكاذيب والسرديات المزيفة بإتقان. يتسرّبون من شقوق الأحداث كالنمل، ويحُطّون على بقاياها كالذباب.
تبيّن للناس لاحقا، وبعد زمن طويل؛ أن استدراج اليهود العرب من بيئاتهم جرى بخُطّة مُسبقة، لا قيمة فيها لرابطة الاعتقاد، ولا كرامة للدم النقى، كما يعُدّونه ويُرتّبونه فوق بقية الأعراق.
لا فارق بين مَن قُتِلوا بأيدى أقرانهم فى العراق واليمن وغيرهما، كما فى العمليتين المُنحطّتين: على بابا وبساط الريح؛ لإخافة الباقين ودفعهم إلى أرض الميعاد، وما جرى قبل "الطوفان" وبعده فى غزة.
وذلك؛ أكان بشُبهة الصمت على مُخطط حماس، أم بيقين التورّط فى قتل الأسرى، وتفعيل "بروتوكول هانيبال" سيّئ السُّمعة سرًّا.
استدرج نتنياهو الجميع إلى الفخ؛ حتى واشنطن. جرّها من عاطفتها المشبوبة عندما تظاهر بالمظلومية، ثم استعرض عضلاته ليُغازل افتتنانها بالقوة والأقوياء.
تدرّج من غزّة لجنوب لبنان، فالشام، وصولا لرأس المُمانعة، ومن الاستنجاد بواشنطن فى خواتيم حرب يونيو مع إيران، إلى توريطها من البداية فى فبراير.
الكبرياء وحدها تمنع ترامب من الاعتراف؛ غير أن سلوكه ينُمّ عن الندم ورغبة الانصراف. مهلة إثر أُخرى، وهُدنة تُمَدَّد فجأة، ويُعلّق حبلها على الغارب دون ميقات معلوم.
العِلّة أن قيادة الجمهورية الإسلامية منقسمة على ذاتها، والشواهد تُرجِّحها. ما يزال المُرشد سيرة يتحدّث بها مَن لم يرها إلى مَن لا يعرف بوجودها. ويبدو أنه غائب لعجزٍ، أو مُغيَّب لمصلحة، وتنقطع رسائله عمَّن يُفتَرَض أن يتلقّوها مباشرة.
والغالب أن حرس الثورة، أو حلقته الضيّقة، تحتكر قناة الاتصال أو تصادرها، وربما تُدير بالأصالة من وراء ستار، وما "مجتبى" إلا مُجرّد اسم وشرعيّة تُستَعار.
يتسبب ذلك فى ارتباك طهران، وإرباك أجنحتها وقواعدها والوسطاء، وإرخاء حبل الذرائع للراغبين فى إبقاء الجمر مشتعلاً. وسيدفع زعيم الليكود لإذكاء نار الحرب، أو على الأقل تضييع فرص الاتفاق، وإبقاء الصراع قائمًا؛ ولو بالتجميد إن تعذّر التصعيد!
احتيال يُذكّر بما كان قبل عشرين قرنا، عندما تواطأ السنهدرين على المسيح، وأسلموه للسلطة الرومانية بوشاياتٍ، ثم ضغطوا بقوّتهم وغوغائية الجماهير لافتداء مصالحهم بروحه الطاهرة.
وكأن المشهد ذاته يتكرّر، مع الجندى الذى رأى تمثالاً له على الصليب، فأسقطه عنه، وحطّم رأسه بمطرقة.
واضطُرّ الجيش والمستوى السياسى لتأكيد الواقعة بعد نفيها، وذرّ الرماد فى العيون بادّعاء محاسبة المُتورّطين فى الفعل المُشين.
جُندى نفّذ، وزميله صوّر، وستّة تحلّقوا حولهما للمشاهدة؛ ولو كانت الكتيبة كلها، أو جيش الاحتلال كاملا فى الجوار؛ لفعلوا كما فعل الحاضرون.
وقع الحادث قبل أيامٍ عِدّة، وانتشر على نطاق واسع مساء الأحد، بعدما تداول ناشطون لبنانيون صورًا تُوثّق الجريمة، كان المُرتكبون نشروها وتباهوا بها.
المُفارقة أنهم تشاركوا طقوس القيامة من حيث لا يقصدون؛ إذ أقدموا على ما فعلوه بالتزامن مع العيد وفق التقويم الشرقى؛ فأعادوا للأذهان بالمصادفة ما كان من جناية اليهود.
كانت للوالى بيلاطس عادة إطلاق سجين فى الفِصح؛ فعرض يسوع على المُجتمعين، لكنهم اختاروا "باراباس" المُدان بجرائم خطيرة. صخبوا طالبين الصَّلْب، وتبرّأ الرجل من الذنب؛ فردّوا: "دمه علينا وعلى أولادنا" متّى 27: 25.
كان الشائع قرونًا أن دم المسيح فى أعناق اليهود جميعًا؛ حتى حرّرهم الفاتيكان فى مجمعه الثانى، ووثيقة "نوسترا إيتاتى/ Nostra Aetate"، أو "فى حاضرات أيامنا" عام 1965.
وجدّد البابا بنديكتوس غسل سُمعتهم، لسماحةٍ دينية أو لتوازنات سياسية، فى كتابه "يسوع الناصرى" 2011؛ حتى أن نتنياهو، رئيس الحكومة وقتها، وجّه له رسالة شُكر. قبل أن يتورّط الآن فى تدنيس الذكرى والصورة، كما لو أنه يصلب المسيح من جديد!
الأثر للكنيسة المارونية، كاثوليكية شرقية متصلة بالفاتيكان؛ ولعلّ الفعل يأتى فى سياق التصعيد الأمريكى ضد البابا ليو، عقب إدانته للحروب الجارية ومَن يتسبّبون فيها، وهى لعنةٌ ناعمة لُغويًّا، تُصيب الصهاينة، كما تُصيب ترامب وإدارته المتطرفة.
ويصعب الفرز والفصل، كما تتعذّر تخطئة القائلين بالتعميم. إذ المجرمون يسبقون الآخرين إليه، ويُعمّمون كيفما أرادوا، وما عادوا يُدارون؛ بل يمنحون نزواتهم صبغة عقائدية لا جدال فيها ولا تأويل.
حتى مع أكذوبة تحويل الدين إلى عِرق، وأسفار العهد القديم خريطةً جِينيّة لسلالةٍ غير موجودة إلا فى المخيال الأُصولى، المُحمّل برواسب أزمنة السَّبى والشتات، ما تزال الدولة العِبرية محلّ خلاف خارج الحظيرة وداخلها، ولم تحتكر تمثيلها بالإجمال، أو يُسلِّم لها القطيع كاملاً.
لكنها بالرغم من الجدل والانقطاع التاريخى والاجتماعى، ورثت أسوأ ما نُسِب لليهود أو عُرِف عنهم على امتداد التاريخ، القريب منه والبعيد.
تستميت الحكومة الحالية، كسابقاتها، فى تعريف البلد بمُكوّنه الروحىّ، وحصره فيه، وإجبار الآخرين على الإقرار به.
يرسمون خطط الحاضر والمستقبل بروحيّة التوراة، ويستعيرون أسماء حروبهم منها، ويُطبّقون نصوصًا كاملة مُتّصلة بشأن القتل والترويع وإبادة الأغيار.
انتماء بالأصالة والاختيار والمُحاكاة، ومسؤولية ضمنية مُتبادَلة، تُحمّل الجديد أعباء القديم، والعكس.
نتنياهو يتمثّل صورة قيافا رئيس الكهنة، أو أى والغ آخر فى دم المسيح الطاهر. ترامب فى أحسن الظروف كبيلاطس، تورّط فى الجُرم ولو استبقه بإبداء حُسن النية. وكثيرون يتنافسون على دور يهوذا.
المسيح يُصلَب من جديد، والأديان تُهان، والإنسانية كلها تُوضع تحت أحذية عصابة من الضباع، هولوكوست فى غزة، ومحاكاة للسبى بالتهجير فى لبنان، وشهوة إبادية تنبع من النصوص والمرويات.
وصفة مُضادة لكل أمل فى التعايش، ومُولِّدة لمزيد من الوصم والإدانة والنبذ.. تختار إسرائيل مصيرها، وتُحدّد إيقاعه، وستجنى ما زرعته طال الوقت أم قَصُر.