بعيداً عن الأعين، وفي قلب الدروب الصحراوية الوعرة حيث لا صوت يعلو فوق صوت الرياح، تحاول عصابات "الكيف" تحويل الأرض القاحلة إلى "حدائق شيطان" خضراء، تزرع فيها بذور الموت من نباتي الحشيش والبانجو والقنب الهندي.
هذه المساحات الشاسعة، التي يظن الجناة أنها بعيدة عن يد العدالة، تحولت في الآونة الأخيرة إلى ساحة حرب حقيقية، يقودها رجال وزارة الداخلية لتطهير رمال الوطن من سموم تستهدف تدمير أجيال كاملة.
تكمن خطورة هذه "الحدائق الشيطانية" في كونها منبعاً رئيسياً للمواد المخدرة الخام، حيث تعتمد العصابات على أساليب ري حديثة وحراسات مدججة بالسلاح لحماية استثماراتهم المحرمة.
هذه المزارع ليست مجرد زراعات غير قانونية، بل هي بؤر إجرامية تهدد الأمن، حيث ترتبط غالباً بعمليات تهريب الأسلحة وغسل الأموال، وتتخذ من الطبيعة الجبلية القاسية ساتراً لممارسة أنشطتها التدميرية التي تضخ ملايين الأطنان من المخدرات في عروق المجتمع.
وفي مواجهة هذا الخطر الداهم، تشن وزارة الداخلية، ممثلة في قطاع مكافحة المخدرات وقوات الأمن المركزي، حملات مداهمة لا تتوقف، تعتمد على رصد دقيق واستخدام أحدث تكنولوجيا التصوير بالأقمار الصناعية والطائرات المسيرة "الدرونز" لتحديد إحداثيات تلك المزارع في عمق الجبال.
تلك العمليات، التي يطلق عليها "مداهمات الموت"، تشهد مواجهات ضارية، حيث يقتحم رجال الشرطة تلك الوديان السحيقة، ويقومون بحرق الزراعات في أماكنها، وتدمير مخازن الإنتاج، وضبط العناصر الإجرامية شديدة الخطورة التي تدير تلك المنظومة.
القانون من جانبه، وضع حداً حاسماً لهذا العبث؛ فالمشرع لم يفرق بين زارع المخدرات وتاجرها، بل جعل عقوبة زراعة النباتات المخدرة في الأراضي الصحراوية أو أي مكان آخر تصل إلى الإعدام أو المؤبد، وغرامات مالية تصل إلى ملايين الجنيهات، خاصة إذا كانت الزراعة بقصد الاتجار.
هذا الردع القانوني القوي يهدف إلى قطع الطريق على كل من تسول له نفسه استغلال شبر واحد من أرض مصر لنشر السموم.
إن معركة "تطهير الرمال" هي رسالة واضحة لكل تجار الصنف، مفادها أن عين الدولة لا تنام، وأن "حدائق الشيطان" مهما نمت وتفرعت في عمق الصحراء، ستظل تحت الحصار حتى تُقتلع من جذورها. فالأمر لا يتعلق بضبط شحنة، بل بحماية حدود وعقول وقلوب المصريين من خطر يتربص بهم تحت جنح الجبال، لتظل الصحراء مكاناً للتنمية والبناء، لا وكراً للموت والضياع.