عصام خليل

سيناء.. من معركة التحرير إلى معركة الوجود

الأربعاء، 22 أبريل 2026 04:56 م


حين تُختبر الدول في جوهرها، لا يكفي أن تنتصر بل يجب أن تُحسن البقاء.

ومن هذه القاعدة الصارمة، يمكن قراءة ما جرى في سيناء، لا كفصل من فصول التاريخ، بل كمسار دولة أعادت تعريف نفسها، قيادةً ومؤسساتٍ وشعبًا.

في صدر هذا المشهد، تبرز القيادة السياسية للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي تعامل مع سيناء باعتبارها قضية وجود لا تحتمل التأجيل أو أنصاف الحلول، واضعًا لها معادلة واضحة لا سيادة بلا حضور، ولا حضور بلا تنمية، ولا تنمية بلا أمن يُحصّنها!

ومن هذه الرؤية، انطلقت الدولة المصرية - بكامل مؤسساتها - في مسار متصل، تتكامل فيه الإرادة السياسية مع قدرة التنفيذ، ويتلاحم فيه جهد القوات المسلحة والشرطة مع أجهزة الدولة المدنية، ويسنده شعب يدرك أن بقاء الدولة ليس خيارًا بل قدرًا يُصان.

ليست كل الحروب تُخاض على الأرض بعضها يُخاض على المعنى.

وسيناء أرض الفيروز، منذ أن عادت إلى حضن الوطن، كانت ساحة للحربين معًا حرب لاستعادة التراب وحرب لتثبيت الحقيقة.

حين استردت مصر سيناء، لم تكن تستعيد حدودًا فحسب، بل كانت تستعيد تعريفها لنفسها كدولة لا تُكسر؛ كان ذلك انتصارًا بحجم التاريخ، لكنه، في حسابات الدول التي تعرف موقعها، لم يكن سوى بداية الطريق لأن الأرض التي تُستعاد ولا تُملأ بالحياة تظل معرضة لأن تُنازع عليها، ولو تغيّرت أدوات الصراع.

ومن هنا، بدأ الفصل الأثقل
معركة الوجود.

في سنوات لم تكن بعيدة، كانت سيناء مساحة مفتوحة لكل الاحتمالات.

فراغ جغرافي حاولت قوى الظلام أن تحوّله إلى واقع دائم، وجبال وبراري أُريد لها أن تكون مسرحًا لمخططات تستهدف قلب الدولة لا أطرافها.

وكان الرهان واضحًا
أن تُرهق الدولة.. أن تُستنزف.. أن تُدفع إلى التراجع؛ لكن ما لم يُدركوه، أن الدولة التي تعرف قيمة الأرض لا تتركها فكانت المواجهة.

مواجهة ممتدة، قاسية في أثمانها، واضحة في أهدافها
دماء سالت، وأسماء خُلدت، وأسر دفعت من وجعها ما لا يُحصى.

هؤلاء لم يسقطوا دفاعًا عن حدود،بل دفاعًا عن فكرة
أن هذه الأرض يجب أن تبقى مصرية وآمنة وقابلة للحياة.

وحين حُسمت المواجهة مع الإرهاب، لم تتوقف الدولة عند حدود النصر،لأن الدول التي تكتفي بإزالة الخطر تترك الباب مفتوحًا لعودته.

هنا، جاء القرار الذي صاغ الفارق: «أن تُشغَل الأرض بالحياة وأن يُستبدل الفراغ بالفعل».

ولم يكن ذلك مجرد توجه، بل تجسيدًا لرؤية قادها الرئيس عبد الفتاح السيسي بإصرار واضح، نقلت سيناء من هامش الجغرافيا إلى قلب معادلة الدولة.


فلم تعد التنمية خيارًا اقتصاديًا، بل تحولت إلى مفهوم سيادي يعيد تعريف الأمن ذاته.

أنفاق تُنهي عزلة امتدت لعقود،
طرق تُعيد وصل ما انقطع،
مياه تُنقل إلى حيث لم تكن الحياة ممكنة،واستثمارات تُضخ لا باعتبارها إنفاقًا، بل باعتبارها تحصينًا طويل الأمد.

وهكذا، لم تعد سيناء طرفًا في الدولة،بل أصبحت ركيزة فيها ومجالًا حيويًا يُعاد تشكيله بإرادة لا تتردد.

وفي موازاة هذه المعركة على الأرض، كانت هناك معركة أخرى، أكثر خفوتًا في ظاهرها، وأشد خبثًا في أثرها..أبواق لم تصمت..ادعاءات تتكاثر.. محاولات مستمرة للنيل من كل إنجاز، والطعن في كل خطوة، والهجوم على مشروعات كبرى، في مقدمتها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، في محاولة لضرب الثقة في مسار الدولة.

لكن الرد لم يكن يومًا في مستوى الضجيج؛ الرد جاء من طبيعة مختلفة : «رد يُرى.. لا يُقال»!

حين تتحول الأنفاق إلى شرايين حياة، وحين تصبح الطرق مسارات إنتاج،
وحين تُبنى المدن حيث كان الصمت،فإن ذلك لا يكون ردًا إعلاميًا بل حسمًا نهائيًا للجدل.

لأن الواقع—حين يُعاد تشكيله—لا يُجادل، لقد أراد أهل الشر لسيناء أن تبقى فراغًا،
مساحة رخوة تُستدعى فيها الفوضى،وممرًا لمخططات تتغذى على الغياب.

لكن ما أشبه اليوم بالأمس وما أبعد المسافة بينهما.

فبعد أن كانت سيناء - في زمن قريب - بوابة رئيسية لتسلل الإرهاب،أصبحت اليوم بوابة للردع وخطًا أول للحماية.

هذا التحول لم تصنعه الصدفة،بل صنعته دولة قررت أن تغلق كل الثغرات لا أن تراقبها.

سيناء اليوم ليست كما كانت - وهذه ليست عبارة تُقال،
بل حقيقة تُفرض نفسها.

أرض الفيروز- تلك الدرة التي طالما كانت مطمعًا-
تشهد تحولًا غير مسبوق، يعيد تثبيتها في قلب الدولة، لا كامتداد جغرافي، بل كركيزة استراتيجية.

والدرس الذي ترسّخ في صلب التجربة، أن الأرض التي لا تُعمَّر..تُهدَّد، وأن الفراغ—في منطق الدول—دعوة مفتوحة للخطر.

ولهذا، لم يكن ما جرى مجرد خطة تنمية،بل كان قرارًا وجوديًا حاسمًا أن تبقى هذه الأرض ممتلئة حاضرة عصية على الاختراق.


ورغم كل ما تحقق، لم تنقطع محاولات التشكيك،أبواق الخيانة واصلت بث ادعاءات، والطعن في صدق الإنجاز، ومحاولة النيل من الثقة في مسار الدولة.

لكن الفارق بين الضجيج والدولة أن الدولة تبني؛ وسيناء—بما تشهده من عمران وزراعة وامتداد بشري—
تقدم برهانًا لا يُدحض
أن ما يحدث ليس رواية بل واقع يُكتب كل يوم.

وفي قلب هذا كله، يتجدد المعنى «أن الدولة، بقيادتها ومؤسساتها وشعبها، حين تتماسك، تصبح قادرة على أن تُغلق دوائر الخطر، وأن تفتح أبواب المستقبل».

وهنا، لا تعود ذكرى التحرير مجرد استحضار لماضٍ مجيد،
بل تتحول إلى لحظة إدراك بثقل ما تحقق ومسؤولية الحفاظ عليه.

لأن الأوطان لا تبقى بما تحرره فقط،بل بما تُقيمه فوقه من حياة.

وسيناء—بعد كل ما مرت به—
لم تعد مجرد أرض استعادت موقعها، بل أصبحت دليلًا حيًا على أن هذه الدولة، حين تُدفع إلى أقصى الاختبار،
لا تكتفي بالانتصار ، بل تُعيد تعريف ذاتها… وتفرض بقاءها.

ومن معركة التحرير إلى معركة الوجود كُتب فصل لا يُقرأ بالكلمات، بل يُرى في صلابة دولة… قررت أن تبقى.

حفظ الله مصر قيادةً وشعبًا وجيشًا ..وأبقى رايتها عالية، ثابتة، لا تنكسر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة