المسرح مُظلم، والعرض معلوم ومجهول فى آن. كأنك ذاهب لفِرقة تُبدّل بين عِدّة نصوص لكاتب واحد؛ فأنت على موعد مع شخص تعرفه، وآخرين تجهلهم تماما.
ولن يكون مُفاجئًا، لو أُزيح الستار؛ فوجدنا مقاعد إيران مُمتلئة، كما كانت فى الجولة الأولى.
فالغياب ليس من الحصافة؛ فضلاً على أنه يُضيّع الفرص كُلّها، حتى المُماطلة وتقطيع الوقت، باعتبارهما من استراتيجيات صُنّاع السجّاد وهُواة الصبر الاستراتيجى وطُول النَّفَس.
حتى كتابة المقال، ظهر الثلاثاء، لم تكن الجمهورية الإسلامية أرسلت ممثّليها إلى الطاولة المُرتقبة.
نفى التليفزيون الرسمى حسم مسألة المُشاركة، ونقل عن مسؤولين ما قاله رئيس البرلمان باقر قاليباف سلفًا، بشأن الرفض المُطلق للحوار تحت التهديد.
ولا يُعَوَّل دومًا على المُعلن فى دولة الملالى؛ إذ تظل الحقيقة بين النفى والإنكار لآخر لحظة، ويُفاجَأ الجميع حتى فى أعلى مستويات السلطة.
ومن ذلك، ما نُقِل عن وزير الخارجية عباس عراقجى مؤخّرًا، بعدم معرفته الكثير من تفاصيل البرنامج النووى، ما يعنى أنه يتفاوض على مجهولين: الذات، وحدود ما يقبله الآخر!
خزانة الأسرار الإيرانية أضخم من أن يُلِمّ بها سياسى أو مفاوض، ومفاتيحها مع دائرة ضيّقة للغاية، كانت تُدَار من المُرشد الأعلى، خامنئى الأب، وصار ابنه مُجتبَى مُجرّد عضو فيها.
وبعدما كانت مزيجًا من الفقهاء والساسة والعسكر؛ خُصخِصت غالبا لحساب الجنرالات.
يرغب الطرفان فى الاتفاق، ولا يُرحّبان بالتنازلات. ولأنها صفقة بعد حرب، وليست مشروعا يُختَلَف على أرباحه؛ فمن غير المُمكن أن يكسبا بالتساوى، ولا أن يخرجا من حلبة النزال بجروح مُتطابقة!
وإلى الآن؛ يُرجَّح أنهما يبحثان عن استراحة لا تسوية. إذ مع التيقّن من استحالة الحسم العسكرى، والعجز عن احتمال خسائر أكبر، لا بديل عن إدارة الفصل الجارى، وترحيل الأزمة إلى فُسحة أوسع.
وبالرغم من اختلاف الأوزان؛ فالكفّتان أقرب للتوازن نسبيًّا. فى الظاهر لا تحتاج الفروق إلى فحص وتمحيص، وفى الجوهر يتواجه خصمان مُتكافئان نسبيًّا، فى قوّتهما وضعفها، وذلك لاختلاف عوامل القوّة ومادّة الضعف.
حشد مُسلّح فى موازاة انتحارى بحزامٍ ناسف، وهذا أقرب تلخيص للصورة. الولايات المتحدة بعضلاتٍ لا تُهزَم، والجمهورية الإسلامية بعقيدةٍ انتحارية، والاقتصاد قَيد عليهما معًا، والوقت خنجر فى الخاصرة.
مُنِحَ الملالى فرصة لاختراع كربلائية ثانية، واكتملت الهالة بإسقاط العمامة الأكبر؛ فكأنّ الحسين يُنحَر مُجدّدًا، ولا مُتّسع إلا للبكائيات ومواكب التطبير.
الثارات مُكوّن عقائدى، ولطهران ثأر مع واشنطن، كان مُعمّدًا بدم قاسم سُليمانى، وأُضيف له طابور طويل، فضلاً على حق الدولة وكرامة النظام.
وأعلى صور القصاص أن تواصل حربها المحسومة سلفًا، وأقلّها وأكثرها تعقّلاً أن تستدرك على نفسها، وتتوقف لالتقاط الأنفاس، والاستعداد لجولة تالية.. هروب من حرب راهنة لأُخرى مُرجأة.
لن يكون الاتفاق حلاًّ؛ إنما مُقدّمة لعُقدة أضخم وأشدّ استعصاء. الأزمة بنيوية، والصراع وجودى، والحسم مُعلّق على انكسار أحد الغريمين.
ما تزال المسائل الكُبرى خلافية، وأقلّها التخصيب بالمناسبة. تضاءلت أهمية البرنامج النووى عمليا، وستتخذه طهران درعًا لتحصين عناوينها الأهم، ولا شىء يتفوق على صواريخها الباليستية.
ستُماطل قليلاً أو كثيرًا؛ ثم توافق على تسليم الكميات المُخصّبة لنسبة 60 %، وربما تجميد التخصيب لعشرين سنة أو أقل.
ستمنح تطمينات بشأن بقية الأمور؛ لكنها ستنقلب عليها لاحقا، وسيكون ذلك سبب الصدام التالى، وأعتقد أنه لن يتأخر طويلاً.
العمل بمنطق خُذ وفاوض، إنما على طريقة الموج الذى ينحر الشاطئ ببطء. التعهُّد بما لا نيّة لالتزامه أو الوفاء به، والنجاة من المأزق، على أن يُحتَال على القيود فى السِّعة من طرق بديلة.
والقصد؛ أنها تصمد لاختبار جدّية ترامب، وتُناكف للخروج بأيسر الشروط، مع التحضّر لمرحلة منخفضة الوتيرة من إعادة إعمار الأجندة، وترميم القدرات المُتداعية، ووَصل خطوط المحور المُتقطّعة دون استفزاز، وتحت خط النظر.
وهو ما سيُكتَشَف سريعًا؛ ولن يكون محلّ ترحيب من الأمريكيين أو الصهاينة.
يتعاطى صقور طهران مع اللحظة من منظور الماضى، وبخيال قديم ومُجافٍ للحاضر. يقيسون الأحداث على سوابقها، بما كان فى زمن الثورة وحصار السفارة، وطرد المارينز من لبنان بتفجير مقرّهم، ووراثة نزق جورج بوش بالهيمنة على العراق.
الإدارة الحالية غير أسلافها جميعًا، وفوق حدّ التوقّع والجنون!
والخطأ مُشترك مع سيد البيت الأبيض؛ لأنه ينظر لإيران كما نظر لفنزويلا ورئيسها، ويُمارس مزاجيته وتقلّباته وآليات الابتزاز التى يعرفها، مُتوهّمًا أن الأصولية الشيعية المعجونة بشوفينية فارسية، ستستجيب بالكيفية التى رآها من الناتو وأوروبا، ومن القوى الكبيرة والوسيطة فى آسيا وأمريكا اللاتينية.
سائقان غير مُحترفين، مع سيارتين بقُدرات ضخمة، ويقودان فى مواجهة بعضهما على طريق ضيّقة.
إنها لعبة الدجاجة/ game of chicken، وكلاهما يُراهن على خشية الآخر وتعقّله، وأنه سيربح لو أطال الصبر وتحلّى بالشجاعة ليوم إضافى.
والنظرية قد تكون فعّالة لو أن أحدهما لا يثق فى سيارته تماما؛ غير أن الأول مغرور بقوّته، والثانى مُخدَّر بعقيدته، ومعظم النار من مستصغر الشرر أحيانا، وكثير من الصدامات لم تكن مطلوبة، وتورّط فيها المتصادمون بالمُكابرة، أو انزلقوا إليها بسوء التقدير.
تخطت الحرب الذروة؛ ولكن تداعياتها ما تزال على المنحنى الصاعد. ومع ترجيح التوقع بألا تحتدّ وتيرة القتال بأكثر ممّا كان قبل الهُدنة؛ فالخسائر ستزيد غالبا، بتكرار التأجيج أو الإبقاء على الجمود، فى علاقة عكسية تُشكّل مفارقة بذاتها؛ وما أكثر مفارقات الصراع!
المُفاضلة الآن بين أشكال عِدّة من الألم؛ وليس بين الاعتلال والعافية. الحرب أو الجمود أو الاحتيال، وكلها تقود للنقطة ذاتها بعد وقت يطول أو يقصر.
مواجهة من الفئة التى تُغيّر الخرائط أو الأنظمة، وكلاهما على حاله، وبالتبعية فلسنا فى خاتمتها، ولا حتى على مقربة من فصلها الأخير!