يشهد ملف الأحوال الشخصية في مصر تحركاً جادا خلال الأيام الجارية، في ضوء توجيهات القيادة السياسية بضرورة الانتهاء من مشروعات القوانين المنظمة لشئون الأسرة المصرية، بما يعكس إدراكاً حقيقياً لحجم التحديات التي تواجه المجتمع في هذا الملف الشائك، والذي يمس بشكل مباشر استقرار الأسر وحماية حقوق أفرادها.
وشهدت الأيام الماضية حالة من الحراك في هذا الملف سواء من جانب الحكومة أو أعضاء مجلسي النواب والشيوخ أو من الأحزاب السياسية، ما بين اجتماعات في الحكومة وبدء جلسات استماع في بعض الأحزاب، ومقترحات من البعض تخص قضايا جوهرية يعالجها قانون الأحوال الشخصية، فضلاً عن تحركات قانونية تتخذها وزارة العدل والنيابة العامة في إطار الجهود لحماية الأسرة المصرية ومن بينها ملف النفقة.
فبالأمس قرر النائب العام، إدراج المحكوم عليهم بأحكام جنائية نهائية واجبة النفاذ، لامتناعهم عن سداد النفقات المقضي بها، على قوائم الممنوعين من السفر وترقب الوصول، وذلك إعمالًا لحجية الأحكام القضائية، وصونًا لحقوق المحكوم لهم، ولا سيما ما يتصل بحقوق الزوجات والأبناء، باعتبارها من الحقوق التي كفلها القانون، وأحاطها بضمانات خاصة تكفل حمايتها وصونها.
كما أعلن وزير العدل عن تدشين منظومة الربط الإلكتروني لتعليق الخدمات الحكومية للممتنعين عن سداد النفقة بمحكمة شمال القاهرة، وذلك في إطار الالتزام بتنفيذ التوجيهات الرئاسية بتعزيز نفاذ الأحكام القضائية وصون حقوق الأسرة المصرية، وذلك في إطار توجه الدولة المصرية لجعل حماية الأسرة وصون حقوقها هدفًا ثابتًا وركيزة أساسية لاستقرار المجتمع.
كل هذه المساعي الحميدة تؤكد أن حماية الأطفال والأسرة تمثل أولوية للدولة، ولكن يجب أن ندرك أن ملف النفقة جزء من ملف كبير وشائك ويجب معالجة جميع القضايا الخاصة بالأسرة المصرية من جذورها سواء النفقة والحضانة والرؤية ومشكلات الخطوبة والزواج والقائمة بما يضمن حقوق جميع الأطراف المرأة والرجل والأطفال، وبما يكفل حماية وصون استقرار وتماسك الأسرة والتي هى جزء لا يتجزأ من تماسك واستقرار المجتمع.
وفي هذا الإطار، جاءت تحركات الحكومة سريعة بعد توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بسرعة تقديم مشروعات القوانين الخاصة بالأسرة إلى مجلس النواب، حيث عقد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي اجتماعا منذ أيام قليلة لمتابعة موقف مشروعات قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين والمسيحيين، إلى جانب مشروع قانون صندوق دعم الأسرة، كخطوة تنفيذية مهمة تؤكد أن الدولة ماضية في ترجمة توجيهات الرئيس السيسي إلى واقع تشريعي ملموس، يحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، ويراعي خصوصية كل فئة داخل المجتمع المصري.
اللافت في هذا التحرك، أن الدولة لا تتعامل مع قانون الأحوال الشخصية باعتباره مجرد نصوص قانونية جامدة، بل كمنظومة متكاملة تستهدف الحفاظ على كيان الأسرة المصرية، التي تُعد الركيزة الأساسية لبناء المجتمع، ومن هنا، جاء الحرص على إعادة دراسة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، بعد سحبه سابقًا، لاستيعاب كافة الملاحظات التي أُثيرت حوله، وهو ما يعكس نهجاً تشاركيا يضع التوافق المجتمعي في مقدمة الأولويات.
أما فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، فإن الانتهاء من إعداده بشكل متكامل، مع الاستعداد لمناقشته مع ممثلي الطوائف المسيحية، يعكس احترام الدولة للتعددية الدينية، وحرصها على إصدار تشريعات تعبر عن كل مكون من مكونات المجتمع، بما يحقق العدالة والمساواة ويصون الخصوصية الدينية.
ولا يقل مشروع قانون صندوق دعم الأسرة أهمية عن مشروعات القوانين الأخرى، إذ يمثل نقلة نوعية في آليات دعم الأسرة المصرية، خاصة في حالات النزاعات أو التعثر في تنفيذ الأحكام، بما يضمن حماية الفئات الأكثر احتياجا، وعلى رأسها المرأة والأطفال، فوجود كيان مؤسسي داعم للأسرة يعزز من قدرة الدولة على التدخل الإيجابي للحفاظ على التماسك الاجتماعي.
وتعكس هذه التحركات رؤية شاملة لإصلاح ملف الأحوال الشخصية، تقوم على التوازن بين الحفاظ على الثوابت الدينية ومواكبة المتغيرات الاجتماعية، مع ضمان تحقيق العدالة الناجزة، كما تؤكد أن الدولة تستهدف إصدار قوانين عصرية تنهي سنوات من الجدل، وتضع حلولاً جذرية لمشكلات تراكمت عبر عقود.
ويبقى الأمل معقودا على أن تشهد الفترة المقبلة سرعة إحالة هذه المشروعات إلى مجلس النواب، تمهيداً لمناقشتها بشكل مستفيض، وإقرارها بما يلبي تطلعات المواطنين، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار الأسري والمجتمعي في مصر، شرط أن تعرض مشروعات القوانين الحوار المجتمعى الموسع والاستماع إلى جميع الأطراف وكل الرؤى، حرصاً على الوصول إلى أفضل صيغة قانونية تخرج لنا قوانين متوازنة ومتكاملة تحقق الصالح العام للمجتمع.
وأدعو جميع الأحزاب السياسية أن تقوم بدورها في فتح حوارات ومناقشات موسعة مع جميع أطياف المجتمع لبلورة رؤية واضحة حول قوانين الأحوال الشخصية والأسرة وتقديمها لمجلس النواب، ويمكن أن يتم الاستفادة منها في مناقشات مشروعات القوانين وتساهم في الخروج بقوانين متوازنة داعمة لحماية وصون استقرار الأسرة المصرية.