كأنه رفيق للبهجة، تشبعت بها روحه ففاضت علينا بأغان وألحان تحمل الصدق والمحبة والسعادة وخفة وجمال الروح، لا يمكنك أن تصادف صورة له أو فيديو دون أن يكون مبتسماً مقبلاً على الحياة، محتضناً عوده وفنه، يغنى لهما ولنا " كدة أجمل انسجام كدة يحلو الكلام"، ولسان حال جمهوره وعشاق فنه يرد التحية "أوقاتى بتحلو معاك"..إنه الموسيقار الكبير سيد مكاوى أحد أعمدة الفن والطرب الأصيل، صاحب الموهبة والروح المتفردة والبصيرة التى تفوقت على البصر، فرأى أبعد وأعمق مما يراه كثير من المبصرين.
ترك لنا سيد مكاوى الذى يمر اليوم 29 عاما ًعلى رحيله، مئات الروائع التى لا تعد ولا تحصى، وكأنه يعيش بيننا ولم يرحل، يشاركنا كل المناسبات والمشاعر، سواء فيما غناه بصوته أو ما لحنه لكبار المطربين وعلى رأسهم كوكب الشرق أم كلثوم، كما لحن لليلى مراد ومحمد قنديل و محمد عبدالمطلب وشادية ووردة وصباح ونجاة وفايزة أحمد وشريفة فاضل، وغيرهم "يامسهرنى، أوقاتى بتحلو، مبروك عليك يامعجبانى، إسأل مرة عليا، شعورى ناحيتك، أنا هنا ياابن الحلال، حلوين من يومنا والله، عندك شك فى ايه، زرع الشراقى، ليلة امبارح، وغيرها مئات الروائع الحاضرة فى كل المناسبات، كما قدم روائع المسحراتى التى تعاون فيها مع الشاعر فؤاد حداد و تعد معلماً من معالم شهر رمضان، وصف خلالها حياتنا وتحدث عن الكثير من القضايا ببساطة وعمق، كما قدم مع حداد رائعته الأرض بتتكلم عربى، فضلًا عن روائعه مع صديق عمره صلاح جاهين، ومنها أوبريت الليلة الكبيرة، وأغنية هنحارب، والدرس انتهى لموا الكراريس، وعمال أبو زعبل، والرباعيات، وغيرها، وكان أول من ابتكر تترات المسلسلات الإذاعية الدرامية.
ورغم هذه البهجة التى تحملها أعمال "أبو السيد" -كما كانت ابنته أميرة سيد مكاوى تناديه - إلا أن حياته لم تكن سهلة ولم تكن أحداثها على نفس القدر من البهجة.
وفى حوار سابق مع اليوم السابع تحدثت أميرة سيد مكاوى عن نشأة والدها الذى كان يضحك حتى على أحزانه، مشيرة إلى أنه ولد فى حارة قبودان بالسيدة زينب لأسرة فقيرة لديها 3 بنات و3 أولاد، وهو من مواليد عام 1928، وفى طفولته أصابه التهاب فى عينيه وعالجَته أمه بالطب الشعبى نظرًا لضيق الحال، وذلك بإضافة مسحوق البُنّ فى عينيه، ففقد بصره بالكامل، ورغم مرارة هذه الواقعة كان يتذكرها ضاحكًا، ويقول: «مش كانوا يحطُّوا لى شاى أظرف؟"
وبعد فقد بصره أرسلته والدته ليتعلم القرآن فى الكتاب، حيث حفظ القرآن كاملًا، ثم توفى والده واضطر الشيخ سيد إلى إعالة الأسرة حيث عمل مقرئًا ومنشدًا فى الموالد.
بدأت موهبته وشغفه بالموسيقى منذ الصغر، ورغم أن والدته لم تكن متعلمة، إلا أنها كانت تشترى له الأسطوانات القديمة من بائع الروبابيكيا، لذا حفظ عن ظهر قلب آلاف الألحان القديمة التى أصقلت موهبته فى التلحين، كما أن حفظه للقرآن زاد من إحساسه المرهف.
تحكى ابنة سيد مكاوى أحد النوادر عن والدها حيث كان مفترض أن يؤذن لصلاة الفجر فى جامع أبو طبل، وأخذه الغناء ونسى الأذان، وحكى عن هذه الواقعة قائلا: «بدل ما أقول الأذان قعدت أغنِّى، شفتى جنان أكتر من كدا؟ المزيكا من وأنا صغير ندهتنى زى النداهة" وبعدها تعرف على أول صديقين فى تاريخه الفنى وهما الشقيقان إسماعيل رأفت ومحمود رأفت وكانا من أبناء الأثرياء ومن هواة الموسيقى وكانا لديهما فى المنزل آلاف الأسطوانات من تراث الموسيقى الشرقية ، وتمتع الشيخ سيد بذاكرة موسيقية فريدة، وحفظ الألحان بسرعة وكون مع صديقيه ما يشبه التخت لإحياء حفلات الأصدقاء.
تقدم مكاوى للإذاعة كمطرب وليس كملحن وأُجيز بأغنية لحنها عبدالعظيم محمد، ثم بدأ طريق التلحين بأغنية «حكايتنا إحنا الاتنين»، لليلى مراد وظل ملحنا لفترة طويلة إلى أن حدث العدوان الثلاثى والنكسة فبدأت تنتشر الحفلات وجمع التبرعات للجيش، وبدأ يغنى فى هذه الحفلات ومن هنا تحول من ملحن إلى ملحن ومطرب.
أشارت أميرة سيد مكاوى إلى أنها كانت تعتقد فى طفولتها أن والدها مبصر وليس كفيفاً، وظل هذا الاعتقاد يساورها طوال حياته، حيث استطاع "أبو السيد" أن يهزم الظلام وفقد الصر بنور البصيرة، فكان يتحرك بسهولة دون مساعدة، ويلعب الدومينو بحرفيةِ ولا يستطيع أحد أن يغلبه! كما كان يصلح الأجهزة التى تتعطل ، ويتصرف كأنه مبصر.
وتابعت الابنة قائلة:"عندما كبرت كنت أقف أمام غرفته دون أن أصدر أى صوت فأجده ينادينى، تعالى ياست «ميللو» وهو الاسم الذى كان يداعبنى به، وفى إحدى المرات دخلت وظللت أنظر فى وجهه، فإذ به يباغتنى: «بتبصّى لى كدا ليه؟» فضحكت وقلت له أنت أكيد بتشوف ياأبو السيد ومخبى علينا، حتى أنه كان عندما طلبت منه أن يصفنى وصف وجهى وبشرتى بالتفصيل، وعندما سألته: عرفت شكلى منين؟ ابتسم وأجاب: بقلبى، مش مهمّ شكلك اللى الناس بتشوفه، اللى أنا بشوفه هو الأصحّ، لأنى بشوف بقلبى، بشوف ملامح الروح وصوت قلبك، وبعرفك من خطوتك، وكل واحد ليه فى ودنى بصمة، حتى لو بيتسحب"تصف أميرة الموسيقار الكبير قائلة :"دائماً أقول إن والدى كان طفلا يكتب فى الأوراق الثبوتية عمرا غير عمره، فكان يحب الضحك ويجمع أطفال الجيران ليلعب معهم، ويلقى النكات وتسعده المقالب، ويلعب بالبمب فى العيد كالأطفال، ويضحك حتى على نفسه، ويحكى أنه كان يقود دراجة صديقه وهو طفل ويضحك قائلا «أبوكى ده كان جن: واعتقد أن روح الطفل التى احتفظ بها هى التى ساعدته فى التغلب على كل الصعاب التى واجهها، فكان رقيق الطباع مبتسما طوال الوقت ولم أره منفعلا أو غاضبا أبدا».
تحكى بعض مواقفه الطريفة مع كبار النجوم قائلة: " لحن والدى لكوكب الشرق أغنية «يامسهرنى»، وجمعتهما الكثير من المواقف المضحكة فى البروفات، ومنها أن أم كلثوم كانت تستيقظ مبكرًا للبروفات، وظل والدى ملتزمًا بالموعد، وفى إحدى المرات تأخر عن موعد البروفة من التاسعة صباحًا، إلى الواحدة ظهرًا، وحينها استقبلته أم كلثوم وهى تغنى «طالت الأيام تعالالى قوام»، فرد عليها :«أصل أنا كنت سايق العربية وأنتى عارفة الإشارات».
وأضافت: "كان يؤمن بأن الفن مصدر للبهجة، وعلى مستوى الحياة العادية شخصا كارها للنكد، لذا كانت معظم ألحانه وأغانيه مبهجة، ولم يقدم أغانٍ أو ألحانًا حزينة، إلا عندما وقعت مذبحة مدرسة بحر البقر حين قصفها العدوّ الإسرائيلى، فقدّم أغنية «الدرس انتهى لِمُّوا الكراريس» من كلمات صلاح جاهين، وغناء شادية، وقدم أغنية «هنحارب» وقت النكسة لأن الناس كانوا فى أمس الحاجة إلى ما يرفع الحالة المعنوية، فاتفق هو وصلاح جاهين على تقديم أغنية وتوجها إلى الإذاعة، ولكنهما لم يجدا أحدا فاستعانا بالسعاة والفراشين ومهندسى الصوت" أحب "أبو السيد " الحياة والناس والفن، وكان متصالحاً حتى مع فقد بصره، فرفض السفر لإجراء جراحة يمكنها أن تعيد إليه نور عينيه ، كما كشفت ابنته ، موضحة :"عرضت عليه الدولة فى عهد عبدالناصر السفر لإجراء جراحة فى الاتحاد السوفيتى، وكانت وقتها بدأت عمليات زراعة العيون ولكنه رفض، وعندما سألته عن السبب قال لى: «شوفى يا ستِّى، الخيال ده حاجة جبارة، أنا بتخيَّل كل حاجة، يعنى أنا متخيل الشجرة حاجة، أفتح ألاقيها حاجة غيرها؟ أتصدم فيها ليه؟ الحمار مثلًا أفتح ألاقيه حاجة تانية، أقوم أزعل منه وأنا بحبه؟»، ثم ضحك وكأنه يرفض أن يخرجه أى شىء عن عالمه وخياله حتى وإن كان استعادة بصره.
واختتمت ابنته حديثها قائلة :"كان يتعامل مع الناس ببساطة ويقول دائمًا لا تنسى أن أبوكى كان فقيرًا، وينصحنى أن أحترم الناس على اختلافهم، وأن أحرص على البساطة مع الجميع، كنت أرافقه فى كل مشاويره، وكلما توقفت السيارة رأيت الناس يهتفون «منوَّر يا عمّنا»، «يا شيخ سيد يا فللى»، «حلوين من يومنا والله»، وهو يضحك ويبادل الجميع القفشات والضحكات ويقول لى: «الناس دى هى اللى عملتنا، محبتهم هى اللى ودّتك المدرسة وركّبتك العربية».
هكذا عاش سيد مكاوى.. بسيطاً، عميقاً، مضيئاً، مبهجاً، رحمة الله على "أبو السيد" الجميل.