عصام محمد عبد القادر

رسائل لدعاة الحروب

الثلاثاء، 21 أبريل 2026 01:23 ص


تغدو الحروب جراحًا غائرة في جسد البشرية يتجاوز لظاها حدود الميادين ليعصف بأركان الاستقرار محيلًا العمران ركامًا والحياة سكونًا موحشًا؛ حيث تهدم ما بناه الإنسان من صروح حضارية، وتستأصل شأفة الرفاهية التي ينشدها، قاطعةً بذلك شرايين التواصل التي تغذي آمال الشعوب وترسم ملامح مستقبلها، في تتابع مأساوي يبدد الجهود ويقوض أسس الوجود الإنساني ويبعثر طموحات الأمم في مهب الدمار.

تتعطل عجلة الإنتاج وتنكفئ الصروح الشامخة عن رسالاتها السامية مما يرمي بالبشرية في غيابات العجز والحيرة، ليتضاعف الأنين النفسي الكامن في القلوب؛ حيث يستوي في خشية الفناء حامل السلاح ومن لا يملك سوى التشبث بالحياة، فيبدو نداء السلام ضرورة أخلاقية حتمية تسبق كل اعتبار، وتستنهض الضمير الإنساني لإنقاذ الوجود من وهدة الضياع.
تستقر آثار الحروب في وجدان المجتمعات ندوبًا عصية على الأفول؛ إذ يتخطى دمارها حدود اللحظة الراهنة ليزرع في النفوس جفاءً يمزق أواصر الثقة، ويستبدل بمشاعر الألفة نزاعًا مستعرًا ينهش جسد الحياة ويقوض وشائج القربى، في متوالية من الشتات الفكري والوجداني تُثقل كاهل الأجيال، وتجعل من استعادة السكينة المجتمعية معركة شاقة تخوضها القلوب المكلومة بحثًا عن خلاص وئيد.
يعد الحرمان من مقومات البقاء وجهًا يسيرًا لمأساة كبرى يتبعها انحسار مخيف في المدد البشري وتصاعد مضطرب في وتيرة الفقد، ليمسي الإنسان محاصرًا بين وهن الجسد وانكسار الروح تحت وطأة أسقام نفسية مزمنة، تفتك بالبناء الوجداني وتؤرق السكينة، مما يجعل المعاناة تمتد من حيز المادة إلى أعماق النفس البشرية المكلومة التي ينهكها الصراع الطويل.
يذبل الوعي الرشيد لدى الأجيال الغارقة في دياجير الجهل والفقر مما يرتد بالمجتمعات عصورًا إلى الوراء؛ حيث يهيمن الظلام المطبق والارتهان للحاجة والضياع، فتغيب منارات الفكر وتندثر قيم الرشاد تحت وطأة الحرمان، في ارتدادة حضارية موحشة تصادر المستقبل وتجعل من الوجود الإنساني صراعًا مريرًا للبقاء وسط ركام التخلف الذي ينهش طموح الأمم ويطفئ جذوة الإبداع.
يمتد أثر الحروب ليطال عصب الحياة؛ حيث يرزح الاقتصاد تحت وطأة استنزاف لا يرحم، فتغدو الأوطان مرتهنة لمتطلبات مادية طارئة تتجاوز قدراتها المنهكة، في محاولة مضنية لسد رمق الاحتياجات المتفاقمة مع كل لحظة صراع، مما يضعف البناء الهيكلي للدولة ويقوض فرص التنمية المستدامة، ذاهبًا بطموحات الرخاء إلى صراع مرير من أجل البقاء وتأمين أدنى ضرورات العيش الكريم.
يدفع الشلل الذي يصيب مفاصل الإنتاج ويعطل مسارات النماء بالبلاد نحو منحدر اقتصادي سحيق، فلا يقتصر ضرره على لغة الأرقام والحسابات، بل يغدو فاقة تقتات على أساسيات العيش وتحرم المجتمعات أدنى مقومات الأمان المادي، مما يجعل النهوض من عثرة الحرب رحلة شاقة محفوفة بالبؤس تستنزف مقدرات الأمة، وتقوض فرص التعافي وسط ركام الأزمات المعيشية التي تخنق التطلعات وتؤرق مساعي الاستقرار بضراوة بالغة تفتت صمود الشعوب.
تستمر التبعات الاقتصادية في إلقاء ظلالها القاتمة حتى بعد أن تضع الحرب أوزارها، إذ تدخل البلاد في حلقة مفرغة من الركود المصحوب بتضخم جامح تلتهم فيه أسعار السلع الأساسية مدخرات الشعوب، وتتسبب النزاعات في قفزات جنونية بأسعار الطاقة، التي يغدو تأمين إمداداتها ضرباً من المحال، مما يثقل كاهل الدولة بأعباء مرهقة تبتلع مواردها المحدودة في هذا المنزلق الوعر الذي يقوض فرص النجاة ويعيد تشكيل خارطة الاحتياج.
يضمر شريان الحياة الاقتصادي مع تزايد الإنفاق العسكري نتيجة توقف النشاط التنموي بتنوعاته وانعدام استثماراته الرافدة للخزينة، فضلاً عن انحسار التحويلات المالية، التي توازن حركة السوق مما يحدث فجوة سحيقة في معدلات النمو، لتنفجر المأساة في صورة موجات نزوح بشرية واسعة تطفو معها ظاهرة اللجوء التي تتجاوز آثارها حدود الدولة المنكوبة لتلقي بتبعاتها الثقيلة على اقتصادات دول الجوار، محولة الأزمة المحلية إلى اضطراب إقليمي واسع المدى يزعزع أركان الاستقرار الشامل.
تتحول أولويات الدول في أتون المعارك نحو حشد العتاد وتكديس السلاح حيث تطغى لغة القوة وتذوب التكلفة الباهظة في سبيل نصر منشود، بينما تُغفل تمامًا ضرورة صون الحياة الاقتصادية وما يترتب عليها من ركائز اجتماعية وصحية وتعليمية، فتتردى إنتاجية الشعوب كلما طال أمد الصراع لتستحيل الطموحات فقراً وبطالة تخنق الأمل، وسط فوضى عارمة تنخر في عظام المجتمع وتفشٍ لسلوكيات السلب والانفلات التي تقوض السلم الأهلي وتترك الأوطان نهباً لخراب شامل.. حفظ الله أوطاننا.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.

بقلم
أ.د/ عصام محمد عبد القادر
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة