أصبحنا نعيش زمنا تتشابك فيه الأسئلة أكثر مما تتضح الإجابات، وتختلط فيه مظاهر الحداثة بارتباكات الهوية، تبرز الحاجة إلى مثقف لا يكتفي بالتشخيص، بل يمتلك شجاعة التفكيك ومسؤولية التنوير. ومن موقع المتابعة الصحفية لا الأكاديمية البحتة، وجدت الدكتور أحمد زايد واحدا من هؤلاء القلائل الذين اختاروا أن يكونوا في قلب المعترك، لا على هامشه، عالم اجتماع لا يعيش في الأبراج العاجية، بل ينصت جيدا لنبض الشارع، ويقرأ المجتمع بعين العالِم ووجدان المثقف المنحاز للإنسان.
منذ بداياته القادمة من صعيد مصر، تشكل وعي زايد على فكرة أساسية مفادها أن المجتمع ليس مادة جامدة للتحليل، بل كائن حي، يتألم ويقاوم ويتغير. هذا الوعي انعكس مبكرا في مسيرته الأكاديمية، من دراسته للاجتماع في جامعة القاهرة، مرورا بتكوينه العلمي في بريطانيا وألمانيا، وصولا إلى أستاذيته وعمادته لكلية الآداب، ثم توليه إدارة مكتبة الإسكندرية. غير أن ما يلفت الانتباه في هذه المسيرة ليس طولها أو مناصبها، بل اتساقها الفكري والأخلاقي؛ فالرجل نفسه الذي كتب عن الريف المصري وجماعات الصفوة، هو ذاته الذي يكتب اليوم عن الحداثة القشرية، وتآكل القيم، والوعي المأزوم.
في كتبه، وعلى رأسها مؤلفه الأبرز حول النظريات الكلاسيكية والنقدية في علم الاجتماع، يتعامل زايد مع الفكر الغربي لا بوصفه نموذجا مقدسا، بل مادة حية قابلة لإعادة القراءة والنقد. هو يرفض الاستنساخ الأعمى، ويصر على أن كل نظرية لا تختبر في سياقها الاجتماعي تصبح بلا روح. لذلك جاءت قراءاته للواقع المصري والعربي شديدة الحساسية للخصوصية التاريخية والثقافية، خاصة في ما يتعلق بمفهوم الحداثة التي كثيرا ما تستهلك شكلا وترفض مضمونا.
لكن استاذ دكتور زايد، في قراءتي له ككاتبة مهتمة بالشأن العام، لا يمكن اختزاله في كونه منظرا اجتماعيا فقط. هناك خيط إنساني واضح يمر في كتاباته ومواقفه، يتجلى على نحو خاص في انحيازه العميق لقضايا المرأة. هذا الانحياز لا يقوم على خطاب عاطفي أو شعارات مستوردة، بل على فهم سوسيولوجي دقيق لطبيعة الظلم البنيوي الذي تعرضت له المرأة المصرية عبر عقود طويلة.
في كتبه المبكرة عن المرأة في الريف والحضر، ثم في كتابه اللاحق عن المرأة وقضايا المجتمع، يتعامل زايد مع المرأة بوصفها فاعلا اجتماعيا كامل الأهلية، لا كضحية أبدية. يكتب عنها كعمود فقري للأسرة والمجتمع، ويتوقف طويلا أمام أدوارها المركبة، وضغوط العمل والرعاية، والثمن النفسي والاجتماعي الذي تدفعه في صمت. والأهم أنه يواجه بوضوح الثقافة الذكورية، لا باعتبارها قدرا، بل بنية قابلة للنقد والتغيير.
هذا الموقف الفكري لم يبق حبيس الكتب. فعلى مستوى الفعل العام، شارك زايد لسنوات في المجلس القومي للمرأة، وأسهم في صياغة سياسات تمكين حقيقية، مؤكدا أن حضور المرأة في مواقع القضاء والجامعة والإدارة ليس منحة، بل استحقاق. كما كان من الأصوات القليلة التي تصدت علميا للفتاوى المتشددة التي تستدعى لقمع المرأة باسم الدين، مشددًا على أن هذا النوع من الخطاب لا يسيء للمرأة فقط، بل يسيء إلى جوهر الدين نفسه.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل كتابه المهم حول الخطاب الديني، حيث حلله باعتباره منتجا اجتماعيا يخضع للسياق والتلقي، لا خطابا معلقا في الفراغ. أحمد زايد ينتقد التدين الشكلي الذي يبالغ في الطقوس ويتغافل عن الأخلاق والمعاملات، ويطرح سؤالا مزعجا لكنه ضروري: كيف يستقيم مجتمع يزداد تدينه الظاهري، بينما تتراجع قيم الصدق وإتقان العمل واحترام الإنسان؟
هذا الحس النقدي ذاته يطل علينا من خلال مقالاته في جريدة الأهرام. هناك، يتحول عالم الاجتماع إلى كاتب رشيق اللغة، يتأمل التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية، من سلوكيات الجماهير إلى تحولات القيم، دون وصاية أو تعال. يكتب بهدوء، لكن كلماته تصيب الهدف، وتؤكد أن دور المثقف ليس الصراخ، بل الإضاءة.
وعندما تولى إدارة مكتبة الإسكندرية، بدا الأمر امتدادا طبيعيا لهذا المشروع. لم يتعامل مع المكتبة كصرح نخبوي مغلق، بل كمساحة عامة للمعرفة، وكمؤسسة تواجه تحديات الرقمنة والتطرف وبناء وعي الشباب. تحت قيادته، تحولت المكتبة إلى منصة حوار، وحافظة للذاكرة الوطنية، وجسر بين الثقافة العميقة والجمهور الواسع.
أستطيع القول إن أحمد زايد لا يقدم حلولا جاهزة، ولا يدعي امتلاك الحقيقة. لكنه يفعل ما هو أصعب: يطرح الأسئلة الصحيحة، وينحاز للإنسان، ويؤمن بأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الوعي. في زمن الميل إلى الشعبوية والاختزال، يظل صوته هادئا، عميقا، ومخلصا لفكرة التنوير. وتلك، في اعتقادي، قيمة لا تقاس بالمناصب، بل بالأثر.