يتبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابا شعبويا، له أفكاره واستراتيجياته، وبالتالي يحول أي نقاش إلى صراع، وهذا ما اتضح تماما في الجدل الذي حدث مؤخرا مع ليو الرابع عشر بابا الفاتيكان (وهو رجل أمريكي).
بداية يمكن القول إن ما جرى بين دونالد ترامب وبابا الفاتيكان يعد خطابا سياسيا ينطلق من موقع القوة والاصطفاف في مقابل خطاب ديني أخلاقي يتكلم من موقع الضمير العام وفكرة السلام، هذا هو جوهر المسألة، قبل أن تكون سجالًا شخصيًا.
بدأ التوتر علنًا بعد تمسك البابا ليو الرابع عشر برسالة تدعو إلى السلام والحوار، مع رفض توظيف المسيحية لتبرير الحرب، تلا ذلك هجوم ترامب على البابا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ثم رفضه الاعتذار لاحقًا، وبعد ذلك قال البابا إنه غير مهتم بالدخول في جدال مع ترامب، مؤكدًا أنه سيواصل الحديث ضد الحرب، هذا السلسلة من المواقف مهمة وترسم أمامنا نصين متقابلين، نصًا تصعيديًا يسعى إلى نزع الشرعية عن الخصم، ونصًا آخر يصر على الارتفاع فوق المعركة الكلامية مع التمسك بالمبدأ.
أولًا: خطاب ترامب
يتعامل ترامب مع الخلاف على أنه صراع وليس اختلافا في التقدير الأخلاقي أو السياسي، ومن هنا فإن لغته، كما نقلتها رويترز ووكالة أسوشيتد برس، تأتي حادة وبها طابع شخصي، ومن هنا اتجه إلى مهاجمة البابا نفسه بدل مناقشة مضمون دعوته إلى السلام، وهذا النمط معروف في خطاب ترامب عمومًا، حيث يعمد دائما إلى تحويل القضايا إلى مواجهة مباشرة بين شخصين، وبالتالي يتراجع النقاش حول الفكرة لصالح الانتباه إلى من غلب من.
وهنا تظهر سمة أساسية، فترامب لا يرد على الحرب بوصفها موضوعًا أخلاقيًا، بل يرد على "البابا" بوصفه خصمًا تدخل في مساحة يراها الرئيس الأمريكي مجالًا للقرار السيادي، ومن ثم فإن الخطاب ينزلق من مناقشة المبدأ إلى تأديب المتكلم، وهذه آلية بلاغية معروفة في الخطاب الشعبوي، إذ يعاد ترتيب المشهد ليصبح السؤال: من يملك الحق في الكلام؟ لا: ما صحة ما قيل؟.
ثانيًا: خطاب البابا
في المقابل، اختار البابا ليو الرابع عشر مسارًا مختلفًا، فهو لم يذهب إلى مشاكلة ترامب لغويًا، ولم يدخل في مباراة هجاء سياسي، بل أعاد تعريف موقعه وموقع كلامه، قال بوضوح إن دوره ليس سياسيًا بالمعنى الحزبي، وإن رسالته مرتبطة بالسلام والحوار وبالمبدأ المسيحي الذي يرفض توظيف الدين لخدمة الحرب، وبعد تصاعد التوتر، قلل من أهمية السجال الشخصي، قائلًا إنه غير مهتم بالدخول في جدال مع ترامب.
هذا الاختيار ليس مجرد تهذيب في اللغة، بل هو استراتيجية خطابية كاملة، البابا هنا يسحب الخلاف من مستوى "أنا وهو" إلى مستوى "ما الذي يحتاجه العالم الآن؟" وبهذا يحرم خطاب ترامب من جزء مهم من طاقته، لأن الخطاب التصعيدي يعيش على الاستجابة المباشرة، بينما الخطاب البابوي يرفض أن يتحول إلى طرف داخل الحلبة نفسها، إنه لا يتنازل عن الموقف، لكنه يرفض شكل المعركة الذي يريده الطرف الآخر.
ثالثًا: المعجم المستعمل
إذا تأملنا الحقول الدلالية التي تحكم الخطابين، سنجد فرقًا واضحًا، الأخبار المنقولة عن مواقف البابا تدور حول كلمات مثل (السلام والحوار والقيم الأخلاقية والديمقراطية وسوء استخدام الدين والحديث ضد الحرب) أما التغطيات الخاصة بردود ترامب فتدور حول الهجوم، والانتقاد الحاد، ورفض الاعتذار، والتشكيك في موقف البابا، بما يعكس انتقال النقاش إلى معجم القوة والهيبة السياسية.
وهذا الفارق في المعجم ليس تفصيلًا بلاغيًا، إنه يكشف عن تصورين للعالم، الأول يرى العلاقات الدولية من زاوية القدرة على الفعل والردع وفرض الموقف، والثاني يرى أن الشرعية الأخلاقية تظل ضرورية حتى في زمن الحروب، لذلك لم يكن الخلاف على حدث واحد فحسب، بل على اللغة التي يجوز بها تفسير الحدث أصلًا.
رجلان من أمريكا
تبقى أن أشير إلى أن كون الرجلان من أمريكا، ومع ذلك فإن خطابيهما مختلفان، وهو أمر يستحق التوقف، بالطبع هناك جزء يعود إلى المؤسسة التي ينتمي إليها كل منهما، لكن يظل للشخصية والرؤية جانب كبير ومهم، ويظل ذلك مهمًا للمتلقي حتى لا يظن أن الأمريكان جميعا على رأي ترامب أو يتبنون موقفه من العالم.
يكشف هذا الحوار بصورة أو بأخرى ما يجري في العالم كله، العالم كله يدار بواسطة هذين الخطابين، خطاب السلام وخطاب الحرب، خطاب العالم وخطاب الأنا، خطاب النظام وخطاب العشوائية، خطاب النجاة وخطاب الغرف.. لذا علينا أن نتنبه.