حازم حسين

رأس غائب ومصارين تتعارك

الإثنين، 20 أبريل 2026 02:00 م


تحجل إيران بساق واحدة، يتسلّط عليها رأسان يتخطّفانها ذات اليمين وذات الشمال. وكلما اختلّ الاتزان أو تعذّر؛ تضاعفت احتمالات التعثُّر.. جسم ضخم ونقطة ارتكاز دقيقة؛ فتغدو الحركة شرطا لبقاء الحال، والسكون إيذانا بالسقوط.

لم تعد الحرب أخطر ما يتهدّد جمهورية الملالى؛ بل السلام. حُشِرَت سرديّة الثورة فى زاوية ضيّقة منذ زمن بعيد، وحماها البطش وأشياء أخرى، وفى مأزقها الراهن تُعرّف عن نفسها بالصمود، وصلاحيته مرهونة بتوقيع اتفاق!

مكمن الخطورة فى مسألة الهدوء؛ أنها تستدعى بالضرورة تطبيع الحياة فى الداخل والخارج. ما ابتلعه الناس سلفًا قد لا يمضغونه لاحقا، وعلى النظام أن يتحوّل بنيويا ونفسيا، ليصير البلد طبيعيا كغيره من البلدان، وتلك تفاصيل لم تختبرها سلطة الولى الفقيه، ولا بُنِيَت لأجلها أصلاً.

نموذج العمل الذى اقترحه الخُمينى استنفد غرضه تماما، وتآكلت فاعليته. شاخ الحُكم بأكثر من الحاكم، وبدت الدولة فى أربعينها أكبر من خامنئى فى ثمانينه، ولعلّها ماضية إلى ما مضى إليه؛ ولو بوسائل مُغايرة. غضب القريب كثيرا ما يكون أخطر من رصاص البعيد!

عصب الأصولية مشدود، وأجهزة القمع على أطراف أصابعها؛ غير أن السافاك لم يَحمِ الشاه، ما يعنى أن الباسيج أو حرس الثورة وغيرهما ليست ضمانات نهائية.

لم ترتبك مُعادلة الردع مع الأعداء فحسب؛ فالهالة انطفأت، وتلقت الشرعية ضرباتٍ قاسية فى مقتل، وجُرح الكرامة أعمق من أن تستره ادعاءات الصلابة!
وما عاد خافيًا أن مصارين البطن فى عراكٍ حاد. وليس على مستوى الإصلاحيين والمحافظين فحسب، ولا بين الصقور والحمائم فى حظيرة التيّار السائد؛ إنما داخل الفئة المُهيمنة ذاتها، وفى حلقة القرار الضيقة للغاية.

عُنِّف وزير الخارجية، عباس عراقجى؛ لإعلانه عن فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. وصعّد ضدّه النواب والمنصات الإعلامية المحسوبة على الحرس.
ويستحيل افتراض أنه تطوّع بالقرار من تلقاء نفسه، ولا أنّ اتخاذه كان بعيدًا عن جنرالات آخرين، ربما جلسوا كتفا بكتف مع المعترضين.
يتكرر المشهد للمرة الثانية. والسابقة عندما اعتذر الرئيس مسعود بزشكيان لدول الخليج عن التعدّى عليها، وتعهّد بعدم التكرار.
كانت رسالته بعد نحو أسبوع من بدء الحرب، وفى اليوم التالى أُجبر على سحبها، وتعديل معناها، واستمرّ قصف الجوار لشهر إضافى؛ حتى الهُدنة المُتّفق عليها فى 8 أبريل.
يتبقى يومان من جُملة الأسبوعين، والمُرجّح أن تُمَدّد لأجل جولة حوار ثانية، ولا يحتمل الصراع أن يلتقى الطرفين على تلك الفواصل الواسعة؛ إنما المُحصّلة الجَليّة أنهما راغبان فى التبريد، وغير مُقبلان على مواصلة القتال.

لم يُصعَّد «مُجتبَى» مُرشدًا على سبيل الوفاء لوالده وسلفه الراحل. ربما تكون الفكرة العاطفية بين الأسباب؛ غير أن البواعث أكبر: إنه رجل الكواليس القوى، وعُقدة الاتصال بـ«البيت»/ مؤسسة الحُكم، ووثيق الصلة بالحرس، كما أنه «ولىّ الدم»، ولن يُخوّن إذا تصالَح عليه.

انخرط شابًّا فى الحرب العراقية، وكان ضمن «كتيبة حبيب»، وقد صارت دائرة مصالح واسعة، ترقّى منها ساسة وجنرالات يتوزّعون على مفاصل الدولة، ويمسكون بخناقها ومفاتيح القرار فيها.

يُمكن القول إنه سبقهم ببنوّة المُرشد، ولعب دورًا فى بروزهم تباعا، كما يصح أن تنعكس الصورة؛ فيُقال إنهم سبقوه إلى الواجهة الرسمية، وطوّقوا عُنقه بترفيعه إلى المقعد الأولى، أو اتّخذوه ستارًا لإنفاذ رؤاهم من خلال مكانته الموروثة.

نظّر كثيرون عن تغيير هيكلى، يُحرّف النظام باتجاه صيغة وراثية، بدلاً من شرعية الرتبة العلمية.
والأدق أن المُكوّن الدينى يتراجع لصالح التابع الميليشياوى. إنها مرحلة مُناورة ومُداراة، وجسر من شمولية ثيوقراطية لأخرى عسكرية، قد تُصرّح عن نفسها، أو يتعايش فيها الفقيه والجنرال تحت عمامة واحدة.

أمس قال قاليباف إن المفاوضات تتقدّم، وذلك بعدما قاد الوفد إلى إسلام آباد، وسيُكرّرها، وإن اتّفقا سيُوقّع.
غير أنه لن يُلام على الرخاوة كبزشكيان وعراقجى؛ لأنه من ذوى الدماء الزرقاء؛ فالحرس رُتبة فى قمة الهرم، كانت تعلو الشارع فحسب، ثم تخطّت بقية الهيئات، وصارت فوق الحوزة وملاليها.

يرى ترامب أن النظام تغيّر، ومعياره تصفية الصفين الأول والثالث، وانتداب بديل ثالث يختلف عن سابقيه. كلامه دقيق فى الوصف، وخاطئ تماما فى الاستدلال.
الصاعدون أكثر قسوة من المُترجّلين. أقل خبرة، أقل ثِقة فى التعقّل، ويُخطّئون الصبر الاستراتيجى، والتخفّى وراء الدفاعات المُتقدّمة، وربما يعدُّونها سبب الأزمة.

وإذ يُقبلون على الصدام لآخر مدى؛ فإنهم يفتحون كوّة للكلام، ومَرنون نسبيًّا بشأن التنازلات. فكأنهم يُكررون آلية ترامب: يذهب للطاولة تحت الغبار، ويستهلك الأمرين بالحماسة نفسها.

السلام من خلال القوة بلُغة ماجا.. واعتصار الهزيمة لآخرها، حتى تُنتج نصرًا دعائيًّا بمنطق الملالى؛ أقلّه التباهى بالجَلَد، وإغاظة العدو بالنزف صمتًا!
تجمّدت المواجهة عمليًّا، ولا تعِدُ بأكثر من الاستنزاف المُتبادَل. المضيق والحصار وهُدنة لبنان وغيرها، محاولات من كل طرف لتحصيل ذروة الضغط؛ لا عن رغبة فى الحرب، ولكن لعجز السياسة أو تعطيلها عمدًا.

سقط خيار الإكراه، ووظيفة الدبلوماسية أن تُوفّر مخرَجًا بأقل التكاليف، وبما لا يُلصق ظهر الضعيف بالجدار، أو يمنح القوىّ ما لم يُحصّله فى الميدان.
واشنطن أقوى، وطهران أقدر على التحمّل، واختبرت العقوبات طويلاً. الوقت قيد على ترامب؛ أما مُجتبى الغائب، فيكفيه أن يظلّ خيالاً بعيدا، لا أحد ينتظر منه شيئا، أو يقدر على مُطالبته بشىء.

نائب الإمام فى غيبة صغرى، ولا يُعوّض نائب بنائب، أو غائب بغائب. ويبدو أن الراية انعقدت للولى الجنرال، ولو دون تصريح!
الجمود أسوأ الاحتمالات، وأقربها. سيُوقف الحرب؛ لكنه لن يصنع السلام. والاتفاق الذى يكاد أن يكون مستحيلاً، لن يضمن ألا يتجدّد الاشتعال قبل أن يجف حِبره.

دخل الصراع حقبة جديدة، ممتدة، مُركبة، ومتنوعة الجولات شكلاً ومضمونا؛ ولن يُحسَم إلا باعتلال الامبراطورية فى واشنطن، أو تعافى طهران من المهدويّة والمَلشَنة، والثانية أقرب للمنطق.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة