خالد دومة يكتب: آفة العصر

الإثنين، 20 أبريل 2026 09:47 م
خالد دومة يكتب:  آفة العصر خالد دومة

خالد دومة

إنَّ تهالك الناس على المادة، واستماتتهم في تحقيق مكاسب مادية كبيرة في أوقات قياسية، إنما يدل على فقرٍ روحي عميق. فالحياة الحقيقية لا يُشترط فيها تراكم الثروات حتى تتحقق للمرء المتعة أو إرضاء الأهواء. ليست هذه حياة، بل هي صورة من الاستعباد؛ يستعبد فيها الإنسانُ هوىً يجعله أسيرًا له، فتضيع أيامه بين متعٍ فارغة—إن كانت ثمة متعة أصلًا.
إن الطمع والاستحواذ على المال يسوقان المرء إلى شقاءٍ دائم، إذ يظن أن في الإكثار منه سرَّ الحياة ومعناها. وهذه ليست دعوةً إلى الفقر، بل دعوة إلى التوازن: بين السعي لمطالب الضرورة، وبين حاجات النفس والروح، التي لا تتطلب المال—أو على الأقل لا تتطلب كثرته—لإشباعها. فليس تحقيق الثروات هو ما يمنح الحياة معناها، ولا ينبغي أن يُفنى العمر كله في سبيلها؛ إذ الحياة أنفس من أن تُهدر في جمع المال. والعجيب أن بعض الناس يظنون أنهم بذلك يطلبون الحياة، بينما هم في الحقيقة يفرّون منها، ويجهلون قيمتها وما تحمله من معانٍ وأخلاق، حتى صارت عندهم من قبيل الفضول.
إن طلب المال ينبغي أن يكون بقدر الحاجة. وعلى الإنسان أن ينظر إلى ذاته بوصفه إنسانًا كاملًا، لا كائنًا جسديًا فحسب؛ فضرورات الحياة لا تقتصر على الغذاء ومتطلبات الجسد، بل ثمة جانبٌ آخر يرقى به عن سائر الكائنات: جانب الشعور، والروح، والعقل—وهو جانبٌ كثيرًا ما ينزوي في غياهب النسيان والإهمال.


لقد بلغ تكالب الناس على جمع المال—بأي صورةٍ كانت—حدّ السُّعار؛ يتسابقون إليه، ويتزاحمون حوله، حيث لا تحكم العلاقات إلا المصلحة والمنفعة، وتنفضّ الجماعات إذا غاب الكسب المادي. إنها تحولات عجيبة في سلوك البشر؛ فلا يكاد المرء يجد إلا القليل ممن يُوثق بهم في المعاملة، دون أن يستبيحوا لأنفسهم الغش أو الكذب لترويج بضاعتهم. وحتى من يظهرون بمظهر التقوى، قد يخدعون غيرهم—بل أنفسهم—بما يبررون به أفعالهم، فيستريح ضميرهم، وكأن خديعة النفس أصبحت أيسر ما يكون في طبائع الناس.


وفي المجتمعات التي يغلب عليها الجهل والأمية، تتوتر النفوس وتضطرب العلاقات؛ فينفر بعض الناس من الفقراء، ويحسد الفقراءُ من هم أحسن حالًا منهم، ويخشى الأغنياء نظرات الحسد. وهكذا تمتلئ الصدور بالكراهية، وتغلي بالبغضاء، بينما ترتسم على الوجوه ابتسامات النفاق—حتى بين الإخوة.


ويبدو أن الدنيا لا ينالها إلا من يملكون جرأة اقتناص الفرص والسعي المحموم وراءها، فينتزعونها من بين أيدي الزمن. أما أولئك الذين يتحلون بوقار الحياء، فيظلون بعيدين عنها، وإن أقبلت عليهم انتُزعت من أيديهم، وسعى غيرهم إلى تهميشهم، ودفعهم إلى الصفوف الخلفية، رغم ما يحملونه من فضائل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة