حازم حسين

عدوّان وبندقية واحدة

الخميس، 02 أبريل 2026 02:00 م


بإمكان ماركو روبيو أن يرى نهاية الحرب تلوح من بعيد. وإذا ألمح وزير الخارجية؛ فلا يتبقّى لمقام الرئيس سوى أن يُصرّح. وهكذا بشّر ترامب بأن جرابه يتبقّى فيه أسبوعان أو ثلاثة.

من أين وإلى أين؟ لا أحد يعرف إلا سيّد البيت الأبيض. كانت إيران على ساقين من نار، ولا تزال، واستُبدلت بالصقور صقور أكثر شبابا وجنونا، وخلاف ذلك فلا شىء تغيّر.

ظلّ يمُنّ على المرشد الأعلى بأنه أبقاه حيًّا فى مُنازَلة يونيو؛ ثم أطاح به فى بواكير رقصة فبراير.

كل ما فى الجولة الثانية يُنذر بأنها أسوأ من الأولى. دخول واشنطن فيها من خط البداية، كثافة النار، طبيعة الأهداف، وكسر الخطوط الحُمر كافّة، وبلا استثناء.

يُعرَف الرجل بمزاجيّته وتحوّلاته المُتسارعة؛ إنما ليس لدرجة أن يضع وجود النظام الإيرانى فى مقابل أربعة مطالب، ثم يتحدث الآن عن استعداده للرحيل خالى الوفاض.

وقف مُتشدّدًا بشأن النووى والباليستى والأذرع الإقليمية، وأضاف لاحقًا القدرات البحرية، واليوم يختزلها جميعًا فى الأولى، ومن دون الاهتمام بالاتفاق عليها أصلاً.

أحدث تصريحاته؛ أن إيران ليست مُلزمة بإنجاز أية صفقة. والعمليات توشك أن تنتهى، والقرار مُعلّق فقط على «ضمان التخلُّف»، وألا تكون قادرة على صناعة قنبلة قيامية.

يتعذّر على أعتى المُدقّقين أن يحصر رسائل ترامب المتضاربة منذ بدء غزوته، قبل شهر فحسب. المعنى وضدّه طوال الوقت، وربما فى اليوم نفسه، أو فى الجملة الواحدة.

تعرف إيران منذ البداية ما تسعى إليه؛ وإن لم تتوافر على أشراطه الواجبة.

أما مشكلة غريمها الأمريكى الحالى، فتتلخص فى أنه لا يعرف ما يُريد بالتحديد، أو تختلف فيه الأهواء؛ فيجهل بالتبعية كيف يتحرك، ولا يرى الفخ إذ يسير إليه، وليست بحوزته خريطة للخروج.

بُنِيَت الدعاية فى حرب الاثنى عشر يومًا على تدمير المفاعلات، وإعادة البرنامج عقودا للوراء. وفجأة بُعِثَ النووى من تحت الردم، واتُّخِذ ذريعة للمواجهة التالية.

باع له الصهاينة الوهم، أو أنه يستكمل رؤية الأجهزة العميقة لمطاردة المارد الصينى وتطويقه على امتداد العالم، قبل الدخول معه فى مواجهة مباشرة.

وأيّا كانت الأسباب؛ فقد أحدث شرخًا مُضاعفًا فى البنية الأمنية للإقليم، وليس بمقدوره أن يُرمّمه، والأخطر أن يرحل على طلل القديم، قبل أن تتكشّف ملامح الجديد.

لن تكون الحرب أبدية، ولعلها أقرب إلى التوقف، وما زلت مُصرًّا على أنها آيلة إلى وتيرة أخفض، وقد بدأت من الذروة التى لن تتعدّاها ذروة، أقلّه فى المدى المنظور.

غير أنها قد تمتد بأكثر ممّا يعد ترامب أو يتمنّى، والأسوأ أن تختزن تحت رمادها جمرة مُتّقدة، ويكون التكرار مسألة وقت أو خطأ حسابى لا أكثر.

تُطفئ مأساة غزة ما بعد «طوفان الأقصى» شمعة شهرها الثلاثين خلال يومين، وكان الحديث فى فاتحتها عن أسابيع فحسب. تماما كما يتحدث الأمريكيون والإسرائيليون وهُم يُطلّون على خريطة فارس.

روسيا حجّمت حربها على أوكرانيا فى اللغة؛ فصارت «عملية خاصة» محدودة بالتعريف، ومُمتدة بالتطبيق إلى عامها الخامس حاليا.

والبلد نفسه جرّب السيولة لاثنتى عشرة سنة فى حربين بالشيشان، وقبلهما عشر سنوات سوفيتية أفغانية.

وفى الميدان الأخير تورّطت الولايات المتحدة عشرين سنة، ومثلها أو أقل قليلا فى العراق، وقضت ثمانى سنوات فى فيتنام، تبعت فيها فرنسا التى تورّطت فترة مُماثلة.

والقصدُ؛ أن الحروب تؤول غالبا إلى غير ما كان فى الذهن وقت اندلاعها، أو بحسب الثعلب النازى روميل؛ فإن كل الخطط الموضوعة تسقط مع الرصاصة الأولى.

الدول الصغرى تُذبَح؛ أما الكُبرى فتُستنزف بجراحها الصغيرة. أى تتورّط رويدًا رويدًا، ببطء وانخداع وثقة مُفرطة فى النفس.

نار من السماء، لا تكفى فنُضاعفها من الأرض، وكل نافخ فيها يحتاج إلى من يغطّيه من الجو، أو يحمى ظهره من البرّ والبحر. وهكذا ما يبدأ بإطلالة من الفضاء، قد ينتهى بتراجيديا على التراب.

لا شكّ فى أن ترامب لا يُريد التورُّط؛ لكنه تورّط بالفعل، والأزمة أنه يجهل، ويجهل أنه يجهل، والخصم مثله تمامًا، مع عقائدية جامدة، وشعارات فيّاضة، ونزعة انتحارية لا تُحَدّ.

لا هدف مُحدّدًا، ولا اتفاق بين أركان الإدارة، أو مع الشريك العبرى، كما يغيب الوفاق مع الحلفاء الإقليميين والدوليين. عدوّان فى حلبة مُغلقة، وكلاهما بلا جمهور تقريبا.

ما لا يُقاس، لا تُمكن إدارته. والحرب بلا وجهة مُحددة، أو دليل إرشادى فى القيادة، ومُحَدِّد موضوعى ومُبرّر للسرعة والتوقّف. وإن غاب الهدف؛ يغيم التكتيك، وتتداعى الاستراتيجية، مهما بدت ناضجة ومُكتملة فى ذاتها.

خُلخلت المنطقة، وسيُعاد تعريف كثير من ثوابتها القديمة. غير أن الخليج يرى، ومن حقّه، أن الخطر الحالّ يأتى من شرق الماء، وإسرائيل تُطارد المُمانعة بجمود، وواشنطن ترتخى قبضتها على النصر؛ لتمنحه للملالى وجنرالاتهم.
مُحاربان من طينة واحدة. المهم أن يبقى الإقليم أسيرا؛ ولنتزحلق معًا على البارود بلا توقّف، اللهم إلا لتجديد اللعبة لأسباب أخرى وبتكلفة أعلى.

يقول ترامب إنه سيرحل ولو ظل هرمز مُغلقا. وكعادته قد يُخلف، ويتورّط فى العكس؛ وكلاهما خطيئة كاملة.
إنها حرب بلا رؤية، ولم تتحدّد معايير النصر والهزيمة فيها، ما يُتيح لطرفيها ادعاء الانتصار، بينما تبقى الخسارة كاملة من نصيب الآخرين للأسف.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة