لم تعد الحقيقة تسير في طريقها الطبيعي الهادئ كما كانت بل أصبحت تمر عبر ممرات مزدحمة بالضجيج تُعاد صياغتها وتقطيعها قبل أن تصل إلى الناس. لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بقدر ما أصبح: كيف قُدم لنا ما حدث؟ وهنا تحديدا تبدأ الأزمة… لا في نقص المعلومات بل في فائض الانطباعات.. في عالمنااليوم لم يعد الترند مجرد وسيلة لانتشار الخبر بل أصبح سلطة خفية تُعيد ترتيب أولوياتنا وتحدد ما نراه مهما وما نتجاهله. ما ينجح في الوصول إلينا ليس بالضرورة الأكثر دقة بل الأكثر إثارة. وهكذا تتحول الوقائع إلى قصص مشحونة بالعاطفة وتُختزل التفاصيل المعقدة في عناوين سريعة بينما تضيع الحقيقة بين ما يُقال وما يُراد له أن يُفهم.
حادثتان متقاربتان في التوقيت مختلفتان في التفاصيل تكشفان هذا التحول بوضوح.
الأولى لسيدة رحلت في ظروف غامضة والثانية لرجل بسيط أشعل النار في مصدر رزقه بيده. في الحالتين لم يكن الغياب الأكبر هو الحقيقة فقط بل غاب أيضا التريث وغابت معه القدرة على الفهم.. في الواقعة الأولى تسابق كثيرون إلى ملء الفراغ.. غياب المعلومات لم يُقابل بالصمت بل بمزيد من الاجتهادات. تحولت الواقعة إلى مساحة مفتوحة للتخمين كل طرف يقدم رواية وكل رواية تجد من يصدقها. البعض تحدث وكأنه شاهد وآخرون تصرفوا وكأنهم يملكون مفاتيح ما حدث رغم أن التحقيق لم يقل كلمته بعد. وهكذا لم نكن أمام بحث عن الحقيقة بل أمام سباق لامتلاكها.
أما في الواقعة الثانية فقد بدا المشهد أكثر حدة.
رجل بسيط ربما لم يعد يحتمل ضغط الواقع فاختار لحظة يأس ليُعلن رفضه بطريقة صادمة. البعض تعاطف معه ورأى فيه إنسانا دفعه القهر إلى ما فعل. والبعض الآخر رفض الفعل تماما معتبرا أنه لا يمكن تبرير إتلاف النعمة أو تحويل الألم إلى مشهد عام. وبين هذا وذاك تحولت القصة إلى حالة استقطاب كل طرف يرى جزءا من الصورة ويغفل الباقي.
لكن الحقيقة في الحالتين أعمق من هذا الانقسام.
فلا الأولى تُفهم عبر روايات متعجلة ولا الثانية تختزل في حكم سريع. ما يجمع بينهما ليس الحدث بل الطريقة التي تعاملنا بها معه. نحن لم ننتظر لم نتساءل بما يكفي بل اندفعنا نحو أقرب تفسير يمنحنا شعورا زائفا بالفهم.
وهنا تظهر خطورة الترند فهو لا يكتفي بنقل الحدث بل يعيد تشكيله. يختار زاوية ويُضخم جزءا ويُهمش آخر.حتى يبدو الأمر وكأننا أمام حقيقة كاملة، بينما نحن في الواقع أمام صورة مجتزأة. ومع التكرار تتحول هذه الصورة إلى قناعة يصعب التراجع عنها حتى لو ظهرت معلومات جديدة.
الحقيقة بطبيعتها بطيئة.تحتاج إلى وقت إلى تحقيق إلى تدقيق. أما الانطباع فيُولد سريعا وينتشر أسرع ويُغري بالتصديق لأنه سهل ومباشر. وبين البطء والسرعة نميل غالبا إلى ما يُشبع رغبتنا في الفهم الفوري لا ما يقودنا إلى الفهم الصحيح...ولعل المشكلة الأكبر ليست في الترند ذاته بل في استعدادنا للانجراف خلفه.. فنحن لا نستهلك المحتوى فقط، بل نعيد إنتاجه. نشارك نعلق نحكم… دون أن نمنح أنفسنا فرصة كافية للتفكير. وكأننا نخشى الفراغ فنملؤه بأي رواية متاحة.حتى لو كانت ناقصة أو مضللة.. في الحادثة الأولى كان حظر النشر محاولة لحماية الحقيقة لكنه في نظر البعض تحول إلى دافع لنسج القصص. وفي الثانية كان الفعل الصادم كافيًا لإشعال موجة من التعاطف أو الرفض.دون التوقف طويلا عند ما أوصل إنسانا إلى هذه اللحظة. في الحالتين غابت المسافة بين الحدث والحكم.
وهذه المسافة هي ما نفتقده اليوم.
مسافة تمنحنا وقتا للفهم لا مجرد رد الفعل. مسافة تجعلنا نُدرك أن ما نراه ليس كل الحقيقة وأن ما نسمعه قد يكون جزءا منها فقط. بدون هذه المسافة يتحول كل حدث إلى ساحة للانقسام لا للفهم.. المجتمعات لا تقاس بسرعة أحكامها بل بقدرتها على التمييز.. والوعي الحقيقي لا يظهر في تبني موقف سريع بل في القدرة على تأجيله حتى تكتمل الصورة. أن نقول لا نعرف بعد ليس ضعفا بل قوة… لأنه يعكس احتراما للحقيقة وثقة في أن الفهم يحتاج إلى وقت.
في النهاية نحن لا نعيش فقط في زمن تتدفق فيه الأخبار،
بل في زمن يختبر فيه وعينا يوميا.. هل ننجرف خلف ما يبدو أم نبحث عمّا هو كائن؟
هل نُسلم بما يقال أم نُبقي باب التساؤل مفتوحا؟
ربما لن نستطيع إيقاف سيل المعلومات ولا كبح جماح الترند لكن يمكننا أن نعيد ضبط علاقتنا به. أن نتعامل معه كنافذة لا كحقيقة نهائية. أن نُدرك أن ما يصل إلينا هو بداية الفهم لا نهايته.. لأن أخطر ما في هذه المرحلة ليس تضارب الروايات… بل الاطمئنان إلى رواية واحدة.
وحين نطمئن نتوقف عن السؤال.
وحين يتوقف السؤال… تغيب الحقيقة.
من يقتل الحقيقة؟… الترند أم نحن؟