الحرب التى تضع أوزارها الآن، تفرض على كل أطرافها تحولات، اختيارا أو إجبارا، فهذه القوى خرجت من الحرب قبل أن تدخل، وحال إنهاء الحرب، سوف تترك آثارها على كل الأطراف الدولية والإقليمية، وليس فقط الأطراف المنخرطة فى الحرب.
وربما يجب على أطراف الحرب أن تعترف بأنها فى نهاية الحرب ليست هى نفسها فى البداية، وأن هناك تغيرات كَميّة سوف تترجم إلى تحولات كيفية خلال فترة، وهناك تحولات إجبارية يجب الاعتراف بها طالت كل الأطراف دون استثناء، سوف تترك آثارها على الاقتصاد والسياسة وعلاقات وتوازنات القوة فى المنطقة لفترات مقبلة، وهى مؤشرات ظاهرة منذ البداية.
التأثيرات السياسية لهذه المواجهة، تحتاج إلى قراءة ومحاولة فهم للتفاصيل التى تحيط بها، لكونها ضمن الصراعات والتحولات التى تدور فى المنطقة منذ 7 أكتوبر 2023، والتى تجاوزت آثارها الأطراف المباشرة إلى أطراف غير مباشرة، ظهرت خلال الجولة الأخيرة وسوف تستمر فى المستقبل، ضمن ترتيبات تفرضها نتائج المواجهات.
بدءا من الولايات المتحدة التى خاضت الحرب بدفع من إسرائيل، ودون تأييد دولى حتى مثل الذى توافر لها أثناء غزو العراق، حيث نجحت إدارة جورج دبليو بوش فى تجييش النظام الدولى ومجلس الأمن بمزاعم امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، ودمرت العراق، بشكل أفاد إيران وأنتج الإرهاب، الآن خاض دونالد ترامب الحرب دون تأييد دولى، بل وسط انقسام واسع، وواجهت الولايات المتحدة مقاومة إيرانية، بجانب ضرب القواعد الأمريكية.
كما واجهت إسرائيل ضربات صاروخية وصلت لمناطق مختلفة من الأراضى المحتلة، وهو ما يفترض أن يدفع نتنياهو إلى ضرورة مراجعة الادعاء بقدرته على تغيير الشرق الأوسط وإعادة تشكيله، حيث تم كسر هذا الغرور.
ومنذ أكتوبر 2023، كان الدعم الأمريكى الاقتصادى والعسكرى الأمريكى هو الذى يمكّن إسرائيل من الاستمرار فى عدوانها على غزة، وشن حرب إبادة طوال أكثر من عامين، ولولا الدعم الأمريكى، ما استطاعت إسرائيل لأيام، حتى فى مواجهة حزب الله، وبالتالى فإن على الاحتلال أن يراجع نفسه ويخضع لتحولات تفرض عليه العيش فى الإقليم ضمن نظام لا يقوم على القوة، ولكن على التوازن، حيث تصبح الرؤية المصرية للسلام، أن تكون هناك دولة فلسطينية تضمن الاستقرار الحقيقى، ومن دون هذا لن تكون إسرائيل قادرة على الاستمرار، وعلى إسرائيل أن تعيد اكتشاف وتقديم قيادات جديدة تعيد تيار سلام وتعايش بعيدا عن اليمين المتطرف الذى يعيش على الحرب، ويعتمد كليا على الدعم والحماية الأمريكية.
الأمر ذاته ينطبق على إيران التى ظلت تعلن قدرتها على إبادة الأعداء بينما واجهت اختبارا صعبا، حيث تم اغتيال قيادات الصف الاول، وعدد من كبار القيادات المؤسسة بمن فيهم المرشد الأعلى السابق، بجانب قيادات عسكرية وسياسية، وهو ما يكشف عن اختراقات معلوماتية وأمنية كبيرة ظهرت منذ بدايات الحرب واغتيال هنية داخل طهران، وما رافقه من اغتيالات واختراقات لحزب الله، تشير إلى تغلغل اسرائيلى داخل قلب الأجهزة الإيرانية، وهذه التحولات تفرض على القيادات السياسية إعادة النظر فى التوجهات الجديدة للتعامل مع الإقليم ومع العالم بشكل يختلف عما كان على مدى عقود، حيث سيكون على إيران الخروج من النظام المغلق إلى النظام الطبيعى، وهو أمر سينعكس على الخارج، وأيضا على الداخل، بشكل يفرض ضرورة تغيير الخطاب الحربى التعبوى إلى خطاب طبيعى اقتصاديا وسياسيا، بشكل يرتب نوعا من الانفتاح وأيضا الخطاب المحلى لجمهور ينتظر تغييرا فى واقعه الاقتصادى والاجتماعى، بعد عقود من الحياة ضمن واقع تعبوى واقتصاد حرب.
ومعروف أن الحروب تغطى كثيرا على العيوب التى تظهر فى نظام الحكم، لأن الجمهور ينخرط فى الدفاع، وينسى التناقضات أو حتى المطالب، لكن ما بعد الحرب تتفتح الأسئلة وتظهر الحقائق الاقتصادية والسياسية.
الأمر ذاته، فى ما يتعلق بالقوى التابعة لإيران من وكلاء مثل حزب الله والحوثيين، ستكون هناك ضرورة لإعادة التفكير فى وضعية هذه التنظيمات، وما إذا كانت ستبقى بنفس الشكل أم يتم تغيير وضعها بشكل يخرجها من الصيغة السابقة؟ وهو أمر سيكون ضمن الاتفاقات، وربما تكون هذه التنظيمات لها وضعيات جديدة، وربما تخرج من الصورة أو تضطر لتغيير مواقعها بشكل يحولها إلى أن تكون ضمن المكون المحلى وليست خارجه، أى يكون حزب الله صيغة لبنانية والحوثيون صيغة يمنية، حيث تتغير طبيعة هذه القوى، اختيارا أو اضطرارا، وهو أمر سيكون من مطالب الأطراف الدولية والإقليمية.
وهو ما ينطبق على القوى الإقليمية المختلفة فى الخليج أو الدول العربية، التى أصبحت لديها مطالب إعادة بناء نظام إقليمى يضمن توازن القوى بعيدا عن الاستقطاب والصراع، والانتقال نحو التعايش، مع تغيير شامل للنظام الإقليمى كله، بعد سنوات من التحولات الداخلية فى عدد من الدول، وحروب تقترب من الأعوام الثلاثة.
