يمثل الانتحار واحدة من أخطر القضايا الإنسانية والروحية التي تواجه المجتمعات، لما يحمله من أبعاد نفسية ودينية معقدة. وفي المسيحية، تنظر الكنيسة إلى الحياة باعتبارها عطية إلهية مقدسة لا يملك الإنسان حق إنهائها بإرادته، لذلك يُعد الانتحار خطيئة جسيمة ترتبط بقتل النفس واليأس من رحمة الله.
وفي إحدى حلقات برنامج «سنوات مع أسئلة الناس»، أجاب قداسة البابا شنودة الثالث على سؤال وُجه إليه بشأن موقف الكنيسة من الشخص الذي ينتحر، وما إذا كانت الكنيسة تصلي عليه أم لا.
البابا شنودة: المنتحر قاتل نفس
وأكد البابا شنودة الثالث أن المنتحر يُعد قاتلًا لنفسه، موضحًا أن الوصية الإلهية «لا تقتل» لا تنطبق فقط على قتل الآخرين، بل تشمل أيضًا قتل الإنسان لنفسه.
وأشار إلى أن الشخص الذي يقتل غيره قد يجد فرصة للتوبة لاحقًا، أما المنتحر فإنه يموت وهو في حالة ارتكاب الخطية نفسها، وبالتالي لا تكون أمامه فرصة للتوبة.
الحياة عطية من الله
وأوضح البابا شنودة أن الإنسان لا يملك حياته حتى ينهيها بإرادته، لأن النفس هي ملك لله الذي منحها للإنسان، وأضاف أن إنهاء الحياة بهذه الصورة يُعد تعديًا على حق الله، لأن الإنسان ليس صاحب السلطة المطلقة على وجوده، بل هو مؤتمن على حياته حتى نهايتها الطبيعية.
وشدد البابا شنودة على أن الانتحار يرتبط أيضًا بخطيئة اليأس، لأن الإنسان المنتحر يفقد الرجاء في رحمة الله وفي إمكانية حل أزماته، وأكد أن المؤمن الحقيقي لا ييأس مهما اشتدت الضيقات أو تعقدت الظروف، بل يتمسك بالأمل والثقة في قدرة الله على التدخل وتغيير الواقع.
هل تصلي الكنيسة على المنتحر؟
أوضح البابا شنودة الثالث أن قوانين الكنيسة تمنع الصلاة على المنتحر إذا كان قد أقدم على إنهاء حياته بكامل وعيه وإرادته.
وأضاف أن الكنيسة لا تقيم له صلاة الجناز أو القداس الجنائزي، كما لا تسمح بدخول الجثمان إلى الكنيسة للصلاة عليه، باعتبار أن هذا القرار يحمل رسالة تحذيرية للمجتمع من خطورة الانتحار.
وأشار البابا شنودة إلى وجود استثناء وحيد، وهو إذا ثبت بتقرير طبي وشهادة موثقة أن الشخص كان فاقدًا لعقله أو يعاني من مرض نفسي أو عقلي أفقده الإدراك الكامل وقت الانتحار.
وفي هذه الحالة، تعتبر الكنيسة أن الشخص لم يكن مسؤولًا بصورة كاملة عن تصرفه، ولذلك يجوز الصلاة عليه من منطلق الرحمة.