مضيق هرمز لم يكن يوماً مجرد ممر مائي ضيق يربط الخليج العربي بالمحيط هذه حقيقة يجب أن ننظر إليها بواقعية، وأن نضع معطياتها في حجمها الطبيعي. يبقى هرمز أكثر من مجرد مضيق.
هو ببساطة اختبار دائم وقائم لتوازنات القوة في العالم، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة، والنفط مع الأمن، والتاريخ مع المستقبل. لقد ظل هذا المضيق على مدى عقود، أحد أهم مفاتيح القوة في النظام الدولي خلال الربع الأخير من القرن العشرين، وحتى بدايات الألفية الثالثة.
كشفت الوثائق الأمريكية مؤخراً عن أن حرب أكتوبر 1973، لم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل أزمة طاقة عالمية أعادت رسم العلاقات الدولية، أصبح النفط – ومن خلفه الممرات البحرية – في قلب الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.
لقد مثّلت حرب أكتوبر و" حرب النفط العربي" نقطة تحول مفصلية في الإدراك الأمريكي لطبيعة الصراع في المنطقة. لم تعد واشنطن ترى الشرق الأوسط فقط كساحة توازنات سياسية، بل كركيزة حيوية لأمنها القومي، وفي هذا الإطار، انتقلت الولايات من دور الوسيط السياسي إلى دور"الضامن الأمني" المباشر لمصالحها – والعلم من ورائها- واضعةً نصب أعينها هدفاً مركزياً محدداً وهو حماية تدفق الطاقة بأي ثمن.
وفق هذا التوجه، أعادت الولايات المتحدة بناء شبكة تحالفاتها. فدعمت التفوق العسكري الإسرائيلي لضمان توازن الردع الإقليمي، وفي الوقت ذاته عززت علاقاتها مع الدول الخليجية المنتجة للنفط، وربطت أمن الخليج مباشرة بأمنها القومي.
وقبل الثورة الإيرانية عام 1979، كانت طهران نفسها جزءاً من هذا الترتيب، قبل أن تتحول لاحقاً إلى التحدي الأكبر له.
وعندما اختلف المشهد، بات على واشنطن أن تدير معادلة دقيقة تضمن الحفاظ على التفوق العسكري لإسرائيل، دون الإضرار بمصالحها النفطية مع الدول العربية.
المعادلة لم تكن سهلة، خاصة في ظل استخدام النفط كسلاح سياسي، كما حدث في السبعينيات.
اليوم - بعد أكثر من خمسة عقود ـ يعود مضيق هرمز إلى الواجهة مجداً، لكن في سياق أكثر تعقيداً، وفق لما تشير إليه التطورات الأخيرة من أن العالم يواجه نسخة محدثة من "أزمة الطاقة" القديمة، ولكن بأدوات أكثر حدة وتشابكاً. فقد أدى إغلاق المضيق – أو حتى التهديد بإغلاقه – إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، خاصة وأن نحو 20% من النفط والغاز العالمي يمر عبره، مما يجعل أي توتر فيه له تأثير فوري على الأسواق الدولية.
الوجود العسكري الأمريكي في الخليج يتمحور حول هدفين رئيسيين: تأمين تدفق الطاقة، واحتواء النفوذ الإيراني.
وعليه فقد تجسد هذا الوجود في شبكة من القواعد العسكرية الاستراتيجية، مثل قاعدة العديد في قطر، والأسطول الخامس في البحرين، وقاعدة الأمير سلطان في السعودية. غير أن وظيفة هذه القواعد لم تعد دفاعية بحتة، بل أصبحت جزءاً من معادلة صراع مباشر.
السنوات الأخيرة السابقة للأزمة الحالية – خاصة 2025 – شهدت استهدافاً إيرانياً لبعض هذه القواعد، في رد على هجمات أمريكية استهدفت منشآت داخل إيران. وهو ما يشير إلى تحول نوعي في "قواعد اللعبة"، حيث لم تعد المواجهة غير مباشرة، بل باتت أقرب إلى صدام مفتوح تحكمه حسابات الردع المتبادل.
ومنذ اندلاع الحرب، بدت الاستراتيجية الأمريكية أكثر ميلاً للتصعيد المنضبط. واتجهت واشنطن إلى فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، في محاولة لخنق قدرتها التمويلية، بالتوازي مع ضربات عسكرية محدودة.
ويواكب ذلك حشد عسكري غير مسبوق في الخليج، شمل نشر آلاف الجنود، وعشرات القطع البحرية، وسفن متخصصة لتأمين الممرات الضيقة كمضيق هرمز.
هذه التحركات والحشود، التي وُصفت بأنها "حصار الحصار”"، تهدف إلى ضمان حرية الملاحة ومنع إيران من استخدام المضيق كورقة ضغط. لكنها في الوقت نفسه ترفع منسوب المخاطر، خاصة في ظل التهديدات الإيرانية بالرد، مما يجعل المنطقة على حافة مواجهة قد تتجاوز حدودها الجغرافية.
هذا التصعيد العسكري يتزامن مع مسار تفاوضي معقد بين واشنطن وطهران بشأن الملف النووي خلال الفترة 2025–2026. وهو ما يعكس طبيعة العلاقة بين الطرفين: صراع مفتوح على الأرض، وتفاوض مستمر خلف الكواليس.
على الجانب الأخر، تلعب إسرائيل دوراً محورياً في هذا السياق، من خلال تقديم معلومات استخباراتية تعزز من قدرة الولايات المتحدة على إدارة المواجهة.
في المقابل، تعيش دول الخليج حالة من القلق الاستراتيجي. فبينما تعتمد أمنياً على الولايات المتحدة، بدأت تعيد تقييم هذه العلاقة في ضوء ما تعتبره تراجعاً في فاعلية الحماية الأمريكية، وخشية من أن تتحول أراضيها إلى ساحات صراع مباشر. وهو ما يدفعها إلى تنويع شراكاتها الدولية، في تحول يعكس تآكل النموذج التقليدي للأمن الإقليمي.
في النهاية، لا يمكن فهم ما يجري في مضيق هرمز اليوم بمعزل عن "حرب البترول" عام 1973. فالصراع لم يعد فقط على الجغرافيا، بل على التحكم في شرايين الاقتصاد العالمي.
الأسابيع القليلة المقبلة .. وربما تكشف عن الكثير ..
Sherifaref2020@gmail.com