لا دبابة للفاتيكان ولا طائرة، الدولة والحاضرة الدينية؛ غير أن صوتها الخفيض قد يغطى على صخب المقاتلات والمجنزرات، ويُزعج المحاربين مهما بلغت قُواهم، لدرجة أن يرتبك صغارهم، ويتخلّى الكبار عن وقارهم؛ قفزا على القداسة والكياسة، والمصلحة أيضا!
نشبت معركة بين رأسين كبيرين فى العالم؛ وإن من حقلين مُتباينين: رئيس الدولة الأكثر قوة وغرورا، وزعيم الكنيسة الأوسع عددا وتجذرا فى الغرب.
تفجّرت من قلب الأزمة بدافع المسؤولية الروحية للثانى، أو اخترعها الأوّل اختراعا، من منطلق أنه لا يقبل النقد، ولا هامش لديه للاختلاف معه من أرضٍ أو سماء.
ربما كان البابا قاسيا فى رسائله؛ فأخرج صقور الإدارة الجمهورية من حظيرة يسوع؛ ولو بدون تصريح أو تحديد.
وفق منطوقه: «لا يستجيب المسيح لصلوات من يشنّون الحروب»، كما أن أتباعه لا يمكن أن يكونوا فى صف الذين يُلقون القنابل، وعموما «لا يبارك الربُّ أى صراع».
وبمعرفة عجوز البيت الأبيض وعِلّة نفسه؛ فقد كان طبيعيًّا ألا يُفوّت الموقف دون تعقيب، ولا أن يتخاذل عن اصطناع معركةٍ، وتكثيف ضرباته للفوز بها، أو هكذا يتخيل.
غير عابئ بأنّ بعض الربح قد يكون خسارة فى حقيقته، لا سيما لو مسّ عصبًا عاريا، ولا يقدر البدن على احتمال ما يتولّد عنه من آلام.
أُهين الزعيم الروحى لقربة المليار ونصف المليار من المسيحيين الكاثوليك، نحو 70 مليونا أو يزيد منهم أمريكيون.
وفضلا على الأثر المادى والمعنوى للمساس بالرجل المُوقّر؛ فإنه أول بابا أمريكى فى عشرين قرنا، والاقتراب منه تصويب على الذات، وخصم من رصيد الأمّة وقوّتها الناعمة.
تعرّض ترامب لانتقادات صريحة؛ حتى من الجمهوريين، وداخل تيّار استعادة العظمة «ماجا». وعبّر رئيس مؤتمر الأساقفة الكاثوليك بالبلاد عن خيبة أمله؛ جرّاء الإساءة للحَبر الأعظم.
لم يُغيّر اشتباك ليو الرابع عشر شيئا، ولا فاعلية له إلا الضمير، وإعلاء القيم، بعيدًا من ابتذالها أو تحريفها لأهداف سياسية.
بينما لا يرى ترامب الأمر إلا من زاوية ضيّقة: قوّىٌّ لا مساس به كالصين وروسيا، أو ضعيف عليه أن يرضخ بلا مقاومة كأوروبا وفنزويلا، وإلا فالدمار مثل إيران، وكوبا على الطريق.
يُذكِّر انفعاله بما كان من ستالين بعد الحرب العالمية الثانية، وفى معرض ردّه على تشرشل، عندما نصحه بمُراعاة مواقف البابا بيوس الثانى عشر بشأن قرارات مؤتمر يالطا؛ لتكتسب شرعية أوروبية.
ابتسم السفّاح السوفيتى وقال جُملته الشهيرة: «كم فرقة عسكرية لدى البابا»، بمعنى أنه لا حق إلا فى ظل القوّة، ولا معنى للنقد ما دام الناقد عاجزا عن الفعل.
كلمات فجّة وفاضحة؛ غير أنه كان يستند فيها على امتلاكه 300 فرقة وقتها، بملايين الضباط والجنود.
ينطلق ترامب من أرضية دينية؛ ولو أنكر أو ادّعى العكس. يُعرّف نفسه اليوم مسيحيا غير طائفى؛ إلا أن أثر نشأته المشيخية طاغٍ، ويتلاقى مع أشد الأفكار الإيفانجيلية تطرّفا، ويتجلّى هواه بأوضح ما يكون فى مُعاونيه.
كل إدارته على قاعدة قومية، أمريكية أو دينية أو كلتيهما، مع نزعةٍ محافظة، واقتناع حاخامىّ بأفكار الصهيونية المسيحية.
نائبه دى فانس تحول للكاثوليكية عن جذور إنجيلية، ووزير خارجيته روبيو مرّ على المورمون وأفكار شتّى.
أما وزير حربه فيُجسّد النموذج الصارخ، بخلطه بين ما لا يصح أن يختلط: قوّة الاعتقاد الأصولى، وعقيدة القوّة الغاشمة.
هيجسيث قومى دينى، جسمه موشوم بصليب القدس، وهُتاف جنود الحملات الصليبية على الشرق.
كتابه «الحملة الصليبية الأمريكية»، يتحدث عن لحظة تفرض استعادة ما كان قبل 1000 عام، وعن أمريكا التى تأسّست مسيحية وستبقى، وعناية الله الحافظة للقوّات.
ويصعب أن تفرز من حاشية الرئيس، شخصًا لا يحمل أفكارًا عنصرية بيضاء، أو يبدو عائدًا لتوّه من غارات أوربان الثانى على فلسطين، ومن نصوص العهد القديم كما يفهمها نتنياهو وحكومته تحديدا.
جزء من المشكلة مع إيران يعود للدين، وعندما اتُّخذ قرار الحرب؛ كان مُخطّطًا للحلّ لاحقا من خلال المذهب!
ركّزت الولايات المُتحدة على أمن إسرائيل، وأغفلت الجغرافيا الخليجية بوضوح.
والقصد أن تندفع دول المنطقة لاستخدام حق الردّ، وينخرط المسلمون السنّة فى صراع مع الشيعة؛ فتُختَزَل القصة كما فى المثل اللبنانى «فخّار بيكسّر بعضه».
فطن العرب للفخ؛ فعبروه بحكمة، وفوّتوا الفرصة على الطرفين معًا. وما يزال الصراع مُلوّنًا، وحروب العقائد بطبعها لا تُحسَم فى الميدان، ولا فى أعمار خائضيها أصلاً!
تقوم الجمهورية الإسلامية على ثابتة روحيّة صلبة، تُغذّيها نزعة عرقية تستبطن الإحساس بالعظمة، وتتعبّد بالاستشهادية.
وما دام السياق صهيونيا أو صليبيا كما يطرحه متطرفو الخارج؛ فلن يخفُت بريق المتطرفين فى الداخل أو تنطفئ حُجّتهم الدامغة.
ما لم تنجح إيران فى تغيير المنطقة كلها؛ فلا حلّ سوى أن تتغير من داخلها، أو يتبدّل عدوّها شكلا أو مضمونا. وكلها تبدو شبيهة بالمستحيلات الثلاثة، ولن يتأتّى من السعى إليها سوى أن تطحن الحرب أجيالاً، ولا تتوقف إلا لتندلع من جديد.
أمّا ترامب؛ فعوامل قوّته قد تنطوى على نقاط ضعفه. الغموض والمزاجية وسردية الرجل المجنون، والنزعة القومية الصارخة، كلها أدوات مزدوجة الفاعلية، وسريعة التحوّل.
حتى أن الخميرة الدينية التى أنضجت رغيفه، قد تُفسده، ويتساوى التعدّى على البابا، مع التألّه على الدولة ونظامها.
وكذلك التردّد والتعثر والثقة المفرطة دون أثر مُثمر؛ ما قد يتجمّع فى فقّاعة واحدة، لتنفجر فى وجهه أمام الصناديق فى موعد الانتخابات النصفية الوشيكة!