حازم حسين

سجال وقتال.. وتكرار آخره الجمود

الأربعاء، 15 أبريل 2026 02:00 م


ليس صراع الجولة الواحدة فى أى شىء؛ لا فى القتال ولا الحوار. وعليه؛ فالعودة إلى الطاولة حتمية، وكذلك الذهاب إلى الميدان أيضا!

انسحاب الوفد الأمريكى من إسلام آباد كان استعراضيا، وبغرض الضغط والتطويع. وكذلك حديث الإيرانيين عن الثقة المفقودة وسوء النية.. محاولات للتأثير، وإصرار على «عض الأصابع» حتى البتر!

يواصل الوسطاء جهودهم، وسينجحون فى صَف المقاعد المُهشّمة. وسيتعذّر الاتفاق، وقد يُعلنان فشل التفاوض أو يُقرّران تمديد الهُدنة، وبينهما يُمكن أن تتجدّد الضربات، وفى الأخير لا مآل سوى الجمود.

تأكّد بالدليل القاطع أنه لا سبيل للحسم على جبهة الحرب، وأقصى ما يُمكن بالسياسة أن يتوصّلا لصفقة أسوأ من وثيقة أوباما، وأكثر هشاشة من الراهن وما قبل معركتى فبراير ويونيو.

ومع استحالة أن يقبل ترامب بأقل مِمّا تمرّد عليه فى 2017، أو أن يُضحّى صقور النظام الإسلامى بما يعُدّونه انتصارًا؛ ولو بالتلفيق، أو يُسلّمون طواعية بما لم يُؤخَذ بالشِدّة والغصب؛ فلا نهاية سعيدة!

مناوشات مُتقطعة، تتخلّلها لقاءات مُتقطعة أيضًا، ومشهد عام ذاهب للتثبيت على ما فوق البرود ودون الاحتراق الكامل، وبمنطق «يبقى الوضع على ما هو عليه»، وكلاهما مُتضرّر؛ فلن يذهبا لأبعد ممّا وصلا بالفعل سابقا.

يبدو الجنون حاكما على كل الجبهات. الأصوليون والعاطفيون لدينا يُثير استغرابهم أن يعمل بعض الإنجيليين الأمريكيين فى خدمة الصهيونية.

وذلك؛ فيما يغضّون الطرف عن أنهم، ومَن والاهم من ألوان السنة والقوميين واليسار، مع طيف عريض من تجّار المدنية والليبرالية، يخدمون فى بلاط الشيعية السياسية والمُسلّحة على السواء!

ملهاةٌ تُعاد فصولها على وقع المأساة اللبنانية. أخذ الحزب بيئته والبلد بكامله للحرب دون مشورةٍ؛ ويَعُدّ ولوج الحكومة للتفاوض استبدادًا، واختطافا للقرار والمصير خارج الإجماع!

بجاحةٌ ما بعدها بجاحة، ويبدو أنها مرويّة بماء الملالى، ومن القاموس الذى يسمح لهم بامتشاق راية فلسطين رمحًا، وتصويبه على القضية وأصحابها.

ولم يُذكَر لهم منذ اندلاع ثورتهم الإسلامية، أنهم انتهجوا طريقا مستقيمة للقدس، أو فكّروا مُجرد التفكير فى المرور العابر، دون أن يُخرّبوا فى رحلتهم دولاً وعواصم لا تقع عليه وجوبًا!

سقطت فاعلية الردع، وتوازناته القديمة. لا إيران مُستبعَدة من الوصول إلى عمق قلعتها، ولا عادت تخشى الخوض فى حرب مُباشرة.

فكرة الارتداع تُلخّص عناصر القوّة، ومجموع الإجراءات المطروحة، والأثمان المُتوقّعة؛ جرّاء الحدود المُسيّجة بالثلج والحذر بين عدوّين مُتيقّظين.

لكنّها تظل مرهونة بألا تُختَبَر أصلاً؛ كحال السلاح النووى الذى يسعى إليه جنرالات الحرس.

وكما فى مضيق هرمز أيضا؛ إذ مع الانتقال من التهديد للتنفيذ، تعاظمت الكُلفة فعلاً؛ إنما تهاوت قيمة الورقة الذهبية، وصارت المخاطر من ورائها، أضعاف ما تشى به من مكاسب محتملة أو مأمولة.

بمُجرّد التلويح باحتمال الإغلاق، ترتبك الأسواق، تتراجع شركات الملاحة ويرتفع تأمين المخاطر؛ فتزداد الكُلفة ويُعاد توزيع آثارها على الجميع.

أمّا المُغامرة بالخنق فعلاً؛ فضاعفت الأعباء بما يتخطّى المطلوب آنيًّا، وعظّمت الانزعاج حاضرًا ومستقبلاً.

والمسألة أكبر من خُمس النفط وقرابة النسبة ذاتها من الغاز. وبعيدًا عمّا تمثّله واردات دول الخليج تجاريًّا، فالتجفيف يمسّ صادرات الأسمدة والهيليوم؛ فيضغط بقسوة على القطاع الزراعى، وعلى حسابات الأمن الغذائى.

ستختل سلاسل الإمداد بشكل عام؛ لا فى الطاقة وحدها، وتنفجر الأسعار، مع تصاعد منحنى البطالة والتضخم وغيرها من مؤشرات الاقتصاد الكُلى فى عشرات البلدان.

يتكلّس مسار السياسة، مع تسييد مُعادلة صفرية تُصادر فرص الوفاق، وتُجهز على أية محاولة للتسوية الدبلوماسية. وبالتبعية سيتبدّل الموقف الدولى، وينتهى الحياد عمليًّا.

والبشائر جليّة فى مواقف عدد من العواصم الكبرى. البداية اليوم، باجتماع دبلوماسيين رفيعى المستوى من عدّة دول، يعقبه مؤتمر يرأسه ماكرون وستارمر غدا، يبحث إطلاق مهمة دفاعية لتأمين الملاحة.

يبدو النظام قادرًا على مواصلة النزق؛ غير أن العالم لن يحتمل. وكما اختار أن يرفع الكُلفة فى هرمز؛ فالحصار البحرى المفروض من الأمريكيين يشتغل بالآلية ذاتها، وبغرض إعادة توزيع الضغط اجتماعيا، وتعزيز أسباب الغضب الشعبى، كمقدمة لتأليب الشارع مُجددا.

أما عوامل الخطر؛ فأضعاف ما كانت عليه. أحيانا تكون الهزيمة السريعة، أو الإقرار بها، أقل فداحة من التعلّق بأهداب نصر لا دليل عليه.

صار المضيق قيدًا إضافيا، بجانب السيادة على سماء فارس. وإذ يرى الصقور هناك أن الجغرافيا تعمل لصالحهم، لأن مدى العمليات محدود، وتُشرف عليه سلسلة جبال زاجروس، مع إمكانية الوصول والتهديد الدائمين بأيسر الطرق والتكاليف؛ فالصورة تبدو مُغرية ومُفخّخة أيضا.

لن تكون الأرمادا العسكرية فعّالة تماما. ويمكن التصعيد الرخيص عبر الزوارق السريعة والألغام والمُسيّرات، ما تتسع معه احتمالات الردّ بالسيطرة على بعض الجزر أو الإنزال البرى على الساحل.

وربما تكثيف القصف الجوى، وعزل خطوط الإمداد بأحزمة النار، أو تنفيذ عمليات نوعية داخل البر الرئيسى، كما حدث فى انتشال الطيار قبل أيام.

الحرب مُتوقّفة، والاحتمالات متساوية بشأن عودتها. لم يتخلّ ترامب ونتنياهو عن هدف إسقاط النظام؛ وإن أعاداه للخلفية وغلّفاه بالصمت.

بالقتال سينزف النظام، وبالجمود من دون صفقة أيضًا. وحاله كما لو أنه على جزيرة صغيرة مُتحركة، ينحرها الموج، ويتكفل هو وغريمه بتفتيت أطرافها بالقذائف.

نزوة مُشبعة عاطفيا، وتُتيح التباهى بالعزم والبأس، والاسترسال فى دعايات النصر والصمود؛ غير أنها أسوأ وصفة ممكنة للانتحار، أو الموت البطىء.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة