إذا كانت الحروب الجديدة لا تسقط الأنظمة ولا تفضي إلى السيطرة على الارض التي تدور داخلها، بينما تهدف في الاساس إلى إعادة هيكلة السيادة، عبر السيطرة على القرار السياسي (السلطة)، وفرض واقع جغرافي جديد عبر الفصل، وما يترتب على ذلك من حالة يمكننا تسميتها بـ"الترهل الوطني"، يقوم في الاساس على تآكل الولاء لدى المواطنين، فإن التساؤل الذي يفرض نفسه في اللحظة الراهنة لا يدور حول أهداف الحرب، وإنما الكيفية التي تدار بها الرواية نفسها.
فبينما تمحورت روايات الحروب الكلاسيكية حول القضاء الكامل على الخصم عبر إسقاطه، تبدو الصورة أكثر تعقيدا في اللحظة الراهنة، في ظل إعادة تعريف مفاهيم الانتصار والهزيمة، حيث لم تعد تقاس بالحسم العسكري أو السيطرة المباشرة على الأرض، بقدر ما ترتبط بقدرة كل طرف على تقديم تفسير لما جرى باعتباره انتصارا.
فبقاء النظام دون احتلال يُعد انتصارا لطرف، بينما تحتسب الاختراقات التي أضعفت بنيته السياسية، وما صاحبها من خسائر اقتصادية ومادية واغتيالات، إلى جانب تفكك الجغرافيا، انتصارا للطرف الآخر، وهو ما يحول الصراع من معركة على النتائج إلى صراع على تعريفها.
والواقع أن الادعاء المتبادل بالانتصار لم يعد حالة استثنائية، بل أصبح سمة عامة في الحروب الراهنة، كما يظهر في أوكرانيا منذ فبراير 2022، وفي حرب غزة التي امتدت لعامين، وصولا إلى المواجهة مع إيران، وهو ما يرتبط في الأساس ببقاء الأنظمة على حالها، دون تغيير جذري، رغم ما تعرضت له من إنهاك، أو حتى بقاء الفصائل في الحالة الفلسطينية، وإن أصابها قدر من الضعف.
وفي هذا السياق، لا تمثل مرحلة الهدوء نهاية للمعركة، بقدر ما تمثل امتدادا لها بأدوات مختلفة، حيث ينتقل الصراع من الميدان إلى الرواية، ليدور حول كيفية صياغة “المشهد الأخير”، بين طرف يسعى إلى تثبيت الواقع الذي أفرزته الحرب باعتباره انتصارا، وآخر يراهن على الصمود وفرض شروط جديدة تعيد تعريف هذا الواقع، حتى وإن لم تعيده إلى ما كان عليه.
وإذا كانت الرواية قد أصبحت ساحة موازية للصراع، فإن السؤال لم يعد من يملكها، بقدر ما يتعلق بكيفية إدارتها، والأدوات التي تُصاغ من خلالها، حيث لا تُبنى الروايات في فراغ، وإنما تتشكل عبر سباق محموم بين الأطراف المتصارعة لفرض سردياتها في التوقيت المناسب، من خلال الإعلان المبكر عن “الانتصار”، وتوظيف الأرقام المرتبطة بالخسائر والنجاحات، إلى جانب الدور المحوري للإعلام في إعادة إنتاج هذه السرديات وتكريسها.
وفي هذا السياق، لا تعكس هذه الأدوات واقع الحرب بقدر ما تسعى إلى تشكيل إدراكه، بحيث تتحول الرواية من مجرد وصف لما جرى، إلى أداة فاعلة في توجيه مسار الصراع نفسه.
الطرح السابق يلقي الضوء على التحول في دور الوسيط في هذه المرحلة، حيث لم يعد دوره قاصرا على إنهاء الصراع، بقدر ما امتد ليشمل جعل نتائجه قابلة للقبول، عبر إدارة الرواية ذاتها باعتبارها ساحة موازية للصراع، فالوساطة لم تعد تعمل فقط على وقف المواجهات، وإنما على إعادة تقديم ما أفرزته في صورة يمكن لكل طرف أن يتبناها، من خلال ضبط اللغة المستخدمة، وإدارة توقيت الإعلان، وإعادة تعريف ما جرى بما يجعله قابلا للتسويق داخليا وخارجيا.
ومن ثم، لا يصبح الوسيط مجرد طرف محايد، وإنما فاعلا يسهم في تشكيل “المشهد الأخير”، بحيث لا يبدو أي من الأطراف في موقع الهزيمة الكاملة، بما يفتح المجال أمام الانتقال من معركة السلاح إلى معركة الرواية دون انفجار جديد.
وهنا يمكننا القول بأنه إذا كانت أطراف الصراع هي التي تخوض فصول الرواية وتفرض إيقاعها عبر ما تحققه في الميدان من وقائع، فإن الوسيط يتقدم في لحظة الختام ليتجاوز دور المراقب أو الناقل، ويتولى كتابة سيناريو نهايتها، ليس عبر إنهاء الحرب على نحو حاسم كما في الصيغ التقليدية، وإنما من خلال إعادة صياغة “المشهد الأخير” بما يعيد ترتيب ما أفرزته المواجهة من نتائج، ويمنح كل طرف مساحة لتبني روايته دون أن يبدو في موقع الهزيمة الكاملة وهو ما يعكس امتداد دور الوسيط إلى إدارة التوازن الدقيق بين الروايات المتصارعة، بحيث تتحول النهاية من لحظة حسم إلى لحظة توافق ضمني على شكل الواقع الجديد، مما يسهم في رسم ملامح ما بعد الحرب، عبر صياغة نهاية قابلة للاستمرار، تمنع انزلاق الصراع إلى جولة جديدة، وتبقيه داخل حدود يمكن التحكم فيه.