محمود عبد الراضى

صبراً بما لا تحط به خُبرا

الثلاثاء، 14 أبريل 2026 01:57 م


في دهاليز الحياة المعتمة، يطرق الوجع أبوابنا دون استئذان، فنقف أمام أقدارنا مذهولين، نضرب كفاً بكف، ونتساءل بلسانٍ يملؤه العجز: "لِمَ نحن؟".

هنا، وفي هذه اللحظة الفارقة، يبرز النداء الخالد الذي يزلزل القلوب ويطمئن النفوس: صبراً بما لا تحط به خُبرا.

إنه ليس مجرد سطر في كتاب، بل هو الدستور السري للكون الذي يغيب عن مداركنا المحدودة.

نحن نعيش في عصر "السرعة العمياء"، نريد الإجابات قبل الأسئلة، والنتائج قبل المقدمات، لكنّ الحقيقة تهمس في آذاننا بأن عجزنا عن الفهم ليس دليلاً على عبثية المشهد، بل هو دليل على ضآلة "العدسة" التي نرى بها الوجود.

فكم من سفينة خُرقت لكي لا تُغتصب، وكم من جدار أقيم ليحمي كنزاً لم يحن قطافه بعد،  نحن نرى الثقب، والله يرى النجاة، نحن نرى اليتم، والقدر يرى التمكين.


أن تصبر يعني أن تمنح "الغيب" فرصة ليفصح عن جماله، أن تتوقف عن محاكمة القدر بذكائك المحدود، وأن تدرك أن "الخضر" الذي يسكن قصصنا اليومية قد يكون في صورة خسارة وظيفة، أو رحيل عزيز، أو تعثر حلم.

يا عزيزي، إن القلم الذي يكتب عن الصبر لا ينبغي أن يكون جافاً، بل يجب أن يقطر يقيناً، فالحياة ليست لوحة مكتملة نراها في المعرض، بل هي خيوط متشابكة في نول عظيم، نحن نرى قفا القماش وخيوطه المربكة، والمبدع يرى الوجه المشرق للوحة.

الصبر هنا ليس استسلاماً، بل هو "ذكاء روحي" يترفع عن صغائر التفسيرات، ليحلق في فضاء التسليم المطلق.

ابقَ على رصيف الانتظار بقلبٍ مطمئن، ولا تفتش في جيوب الغيب عن إجابات لم تنضج بعد، فكل مرٍّ سيمر، وكل مجهول سيصبح يوماً معلومة تثير الدهشة.

كن صبوراً بما لم تحط به خبراً، فربما كان المنع هو عين العطاء، وربما كان كسر الخاطر هو الجبر الذي لا يعقبه كسر.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة