الحكم بسجن حفيد حسن البنا في فرنسا 18 عاما فى قضية اغتصاب، لم يكن مجرد واقعة جنائية تُسجل بسجلات المحاكم، بل هو علامة فارقة تكشف لنا أن الجماعة التي أسسها جده مازالت تتحرك في الخفاء، وتعيد إنتاج نفسها في صور مختلفة، رغم كل ما تكبدته من ضربات وانكسارات.
إننا أمام مشهد معقد، لا يمكن اختزاله في خبر قصير أو تعليق عابر، بل يحتاج إلى قراءة متأنية تكشف ما وراء الستار، وتوضح كيف أن هذه الجماعة مازالت ترقص على جثث الموتى، مستغلةً الأزمات والحروب والصراعات التي تعصف بالمنطقة والعالم.
حين نتأمل ما يجري، ندرك أن الإخوان لم يتوقفوا يومًا عن استغلال الظروف المضطربة، فبينما يعيش العالم حروبًا دامية وصراعات ممتدة، خاصة في الشرق الأوسط، نجدهم ينسجون خططهم في الغرف المغلقة، ويحوّلون المآسي إلى فرص، لا بهدف الإصلاح أو البناء، بل لتحقيق مكاسب سياسية خاصة..
إن قيادات تلك الجماعة، لا يعرفون سوى لغة الدماء، ولا يتقنون سوى صناعة الفوضى، وكأنهم يصرون على أن يظلوا جزءًا من المشكلة لا من الحل.
في بريطانيا، على سبيل المثال، تعمل الجماعة على بناء شبكات ضغط سياسي وإعلامي، مستخدمة منظمات حقوقية مشبوهة لتشويه صورة الدولة المصرية، وتقديمها للعالم وكأنها منتهكة للحقوق والحريات.
وفي تركيا، تُدار مكاتب إعلامية ومالية توفر منصات لنشر خطابهم التحريضي، وتمنح قياداتهم الهاربة ملاذًا آمنًا لإعادة تنظيم الصفوف.
وبمعظم الدول العربية، تستغل قيادات الجماعة المساحات المفتوحة سياسيًا لتكوين خلايا تستهدف الأمن الداخلي، عبر نشر الفوضى وإثارة الشارع بخطاب ديني متطرف.
وفي أمريكا الشمالية، نجد دعمًا ماليًا وإعلاميًا، وتحالفات مع جماعات ضغط، لتأمين غطاء سياسي للجماعة، ومحاولة التأثير على الرأي العام الدولي.
هذه التحركات لا تنفصل عن دعم خارجي واضح، حيث تشير المعلومات إلى تحويلات مالية ضخمة تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، تُستخدم لإحداث ارتباك داخلي في مصر والدول العربية.
الأخطر أن هذه الأموال تُوظف لتمرير مشاريع خطيرة، مثل محاولة تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، بما يخدم أجندات إسرائيلية، ويُحاصر الدولة المصرية عبر أدوات ضغط دولية.
إننا أمام شبكة معقدة من التحالفات المشبوهة، حيث يلتقي المال بالسياسة، ويتلاقى الإعلام مع الإرهاب، في مشهد يهدف إلى زعزعة الاستقرار وإسقاط الدول من الداخل.
لكن ما يجب أن ننتبه إليه هو أن الجماعة لا تعتمد فقط على العنف المباشر، بل تستخدم أدوات متعددة أكثر خطورة، فهي بارعة في الإعلام المضلل، ونشر الأخبار الكاذبة والشائعات عبر منصات إلكترونية وقنوات فضائية.
نعرف جميعا أيضا أن الجماعة لا تتوقف عن توظيف المنظمات الحقوقية كغطاء لتشويه صورة الدولة المصرية، واتهامها بانتهاك حقوق الإنسان، وهي حريصة على بناء تحالفات دولية مع لوبيات سياسية واقتصادية لتأمين الدعم الماليوالإعلامي، مستغلة الخطاب الديني المتطرف لتجنيد الشباب، وإقناعهم بأن العنف هو الطريق الوحيد للتغيير.
من هنا، يصبح من الضروري أن ندرك أن الاستهانة بما يُدار في الغرف المغلقة خطأ جسيم، فالجماعة تتحرك في مساحات غير مرئية، وتستغل الظروف الإقليمية والدولية، وتوظف الأزمات لصالحها.
إن مواجهة هذه المخططات لا تكون فقط بالرد الأمني، رغم أهميته، بل أيضًا بالوعي المجتمعي، وبكشف الحقائق، وبالتصدي للشائعات، وبالعمل على تعزيز الثقة بين الشعب والدولة.
إننا بحاجة إلى خطاب تنويري يوضح للناس أن هذه الجماعة لا تحمل لهم سوى الخراب، وأنها لا تسعى إلا إلى إعادة إنتاج الفوضى، وأنها لا تعرف سوى لغة الدماء.
العالم أجمع يشهد أن القيادة السياسية في مصر لم تتوقف عن محاولات لمّ شمل هؤلاء وإعادة دمجهم في المجتمع بعيدًا عن الصراع، إدراكًا لخطورة الانقسام، لكنها اصطدمت برفض الجماعة، التي تمسكت بخطابها المتطرف، وأصرت على أن تظل أسيرة أوهامها القديمة، وكأنها تريد أن تعيدنا إلى عصور ما قبل التاريخ، حيث يسود العنف والدماء، وحيث لا مكان للعقل أو الحوار أو البناء.
إن الحكم على حفيد البنا ليس نهاية القصة، بل هو تذكير بأن الجماعة مازالت ترقص على جثث الموتى، وأنها لن تتوقف عن محاولاتها البائسة لإعادة تصحيح مسارها المدمر. لكن مصر، بتاريخها ووعي شعبها وقيادتها، قادرة على مواجهة هذه المخططات، وإفشال كل محاولة لإسقاط الدولة.
الرسالة واضحة لكل قيادات الجماعة وخفافيش الظلام ومن يناصر ويدعمهم بأى شكل كان.. مصر لن تسقط، والشعب على قلب رجل واخد في انتظار أي محاولة للنيل من أمنه واستقراره، ليكون الرد حاسمًا، وعلينا أن ندرك أن المعركة ليست فقط مع جماعة الإخوان، بل مع الفكر الذي تحمله، ومع المشروع الذي تسعى إلى تنفيذه.
إنها معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح، ومعركة تنوير قبل أن تكون معركة أمن. وإذا كان الحكم على حفيد البنا قد كشف لنا جانبًا من هذا المشهد، فإن ما يُدار في الغرف المغلقة أخطر بكثير، ويحتاج إلى يقظة دائمة، وإلى وعي مستنير، وإلى قيادة سياسية لا تستهين بما يُحاك في الظلام.
لا أخفى عليكم أن المعركة طويلة، لكن النصر في النهاية سيكون لمن يملك الوعي، ولمن يملك القدرة على كشف الحقائق، ولمن يملك الإرادة في مواجهة الفوضى بالاستقرار، والخراب بالبناء، والظلام بالنور.