لم يكن متوقعا أن تنجح مفاوضات أمريكا وإيران فى باكستان من الجولة الأولى، ولقد بدأت فى أجواء من عدم الثقة، بينما بناء الثقة هو الخطوة الأولى لبدء أى مفاوضات كل طرف فيها يذهب بنفس مطالب ما قبل الحرب، أمريكا تقول على لسان نائب الرئيس الأمريكى، جيه دى فانس، «قدمنا للجانب الإيرانى أفضل مقترح يمكن أن نقدمه، والطرف الإيرانى لم يتعهد بوقف برنامجه النووى، ولم نسمع منه التزاما أكيدا بشأن الأسلحة النووية، وقال «دى فانس» أيضا: إن إيران تتمسك بالسيطرة على مضيق هرمز، وتحصيل أموالا، وهو أمر لا يمكن لأمريكا أن تحسمه، بينما وسائل إعلام إيرانية قالت: «إن أطماع الولايات المتحدة حالت دون التوصل إلى اتفاق ضمن إطار مشترك بين البلدين».
نقلت وسائل إعلام رسمية عن المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائى، قوله: «إن عدم التوصل إلى اتفاق لم يكن أمرًا غير متوقع، وأن المحادثات جرت فى أجواء من عدم الثقة»، موضحا أن الجانبين توصلا إلى تفاهمات بشأن عدد من النقاط، إلا أن خلافات بشأن «قضيتين أساسيتين» حالت دون التوصل إلى اتفاق نهائى، واعتبر «دى فانس» أن أمريكا أبدت «مرونة كبيرة» خلال المحادثات، لكن إيران «اختارت عدم قبول الشروط الأمريكية»، ودارت الخلافات الجوهرية حول ملفات حساسة، أبرزها البرنامج النووى الإيرانى، والقدرات الصاروخية، إضافة إلى قضايا إقليمية، فضلًا عن ملف مضيق هرمز الذى أصبح كأحد أبرز نقاط التعثر.
من الواضح أن طرفى التفاوض ذهبا من دون أرضية للثقة، بجانب رفض كل طرف خفض توقعاته من المفاوضات، بل إن إيران تبدو أكثر تشددا تجاه تخصيب اليورانيوم، وترفض التخلص من المخزون الحالى أو بيعه، وهو أساس الخلاف فى مفاوضات جنيف، بجانب التشبث بمطلب فرض رسوم على المرور فى مضيق هرمز، وهو ممر مائى دولى طبيعى وليس داخل الأراضى الإيرانية، المطالب الإيرانية تصطدم بالقانون الدولى، وتظهر طهران أكثر تشددا مما قبل، وتضاعف من تحركات نتنياهو واليمين الأمريكى للدفع نحو جولة أخرى من الحرب، وهى رغبات تتلاقى مع اتجاهات داخل إيران تدفع نحو مواجهة.
كل طرف من الأطراف المتفاوضة يلقى اللوم على الطرف الآخر، ولا يتوقع أن تنجح الجولات الأولى، ويتوقع أن تستمر جولات المفاوضات بدخول أطراف دولية وإقليمية وقوى كبرى باقتراحات وأوراق تقرب من وجهات النظر، لإبعاد شبح مواجهة ستكون صعبة، وأن يكون كلا طرفى الحرب يعرفان أنهما لم ينتصرا، فهى حرب الخاسرين والحسابات خاطئة لكل أطرافها، وأن يبتعد كل طرف عن بيانات دعائية يلقيها لجمهوره، بعيدا عن توازنات الواقع، ولا يستبعد أن تنجح المفاوضات من أول جولة، بجانب أن المفاوضات الخلفية أو خلف الجدران بعيدتان عن الكاميرات، وهى المفاوضات الفعلية، لأنها لا تتم بهدف الدعاية أو الادعاءات.
من باكستان تشير المصادر، إلى أن الاجتماعات دارت فى أجواء متقلبة بين «التصعيد والهدوء»، ودعت إسلام أباد الطرفين إلى مواصلة الالتزام بوقف إطلاق النار والحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة، واستمرار المساعى الدبلوماسية وسط مخاوف من أن يؤدى تعثر المفاوضات إلى تقويض التهدئة الهشة فى المنطقة، خاصة فى ظل حساسية الملفات المطروحة وتشابكها إقليميًا ودوليًا، خاصة أن العودة إلى المواجهة العسكرية من شأنها أن تضاعف من تداعيات الحرب على الاقتصاد وأسعار الطاقة والنقل، وتفتح مجالا لسيناريوهات، منها حديث أمريكى عن فرض حصار على إيران، مثلما جرى مع فنزويلا، كما أشارت بعض المصادر، لكن محللين يرون اختلافا بين حالة إيران عن فنزويلا، وإيران اعتادت الحصار لفترات أطول، والنظام فى طهران يعيش على الحشد والتصعيد، وهنا يشبه الاحتلال الإسرائيلى الذى يتغذى على الصراعات، بينما الصدام هو ورطة لكل من الولايات المتحدة وإيران.
