انقضى ثلث المهلة تقريبا، ويتبقى الثلثان. أى لا عودة للحرب بين الولايات المتحدة وإيران فى الأيام العشرة المقبلة؛ إنما الأرجح أن يعود وفدا البلدين إلى باكستان، فى جولة تفاوض ثانية؛ وإن بتمثيل أقل من سابقتها بكثير أو قليل.
فُتح الجرح دفعة واحدة، وكان مغلقا على قيح ودم وسوء ظن لعقود طويلة مضت. ويخطئ من يتصوّر أن واشنطن وطهران قادرتان على القفز فورا فوق عدائهما العميق، أو راغبتان فى مواصلة الحفر وتعميقه أيضا.
غاية ما يُمكن الوصول إليه مجرد صفقة جزئية، يُنطَلق منها ويُبنَى عليها، وتكون حجر زاوية فى إعادة بناء العلاقة المهدمة بين حليفين قديمين، وعدوّين بذهنية واحدة، ويحملان الأطماع نفسها تجاه بعضهما والمنطقة.
اكتشف ترامب أنه انتهج أسوأ الخيارات الممكنة، ويفتش عن مخرج. أما صقور الجمهورية الإسلامية فقرروا خوض المغامرة لآخرها، ومن منطلق أنه لا شىء أكبر مما خسروه بالفعل.
وكلاهما خاسر حربيا، ومُعلّق سياسيا على الاتفاق الصعب، ومعنويا لا يكف عن ادعاء سردية النصر.
تختلف التجربة عمّا قبلها. كان الحوار فى المرتين الماضيتين من منطقة الجمود، واليوم عند ذروة حارقة. كما أن التمثيل تضخّم بأضعاف ما كان عليه.
طبيعة الوجوه لا تنُمّ عن مُغازلة باردة، أو رغبة فى إقامة الحجة وتقطيع الوقت. الطريق إلى إسلام آباد ليس كمسقط وروما وجنيف، والحدث أكبر من الاستشراف واختبار النوايا.
بعض التقديرات تقول عشرات، ويصل غيرها بالعدد إلى مئات هنا وهُناك. ساسة وجنرالات ودبلوماسيون وعناصر فنية، وكأنهم قرّروا أن يُرخوا ستار العداوة كاملا، ويفرشوا كل الأوراق على الطاولة بلا استثناء.
والمفارقة؛ أن صورة التحفّز انقلبت رأسا على عقب. الولايات المتحدة بادرت بالعدوان على إيران؛ لكنها تُرسل نائب الرئيس، وله رأى سلبى فى الحرب ابتداء، وفى أية مُقاربة لاستكمالها أو المضىّ إلى الأهداف الأمريكية بالخشونة وتحت النار فحسب.
طهران وضعت رئيس البرلمان على رأس وفدها؛ إنما من مُنطلق كونه صقرًا ثوريا قديمًا، واجهة من واجهات حرس الثورة، وسبّابة على الزناد فى كفّه النازفة.
دُعاة الحرب يُسيّسون الطاولة، والضحايا يُعسكرون الحوار. والمعنى ضمنيًّا أنهما على موجتين مُختلفتين هنا، كما كانا فى جبهة القتال.
تحدّث قاليباف عن فقدان الثقة، ولم يختلف عنه جى دى فانس. يتبادلان الاتهامات بالمُراوغة والتلاعب وغياب حُسن النيّة، وكلاهما كان يُضمر السوء للآخر، وما زال.
لدى ترامب أسباب قاهرة دفعته لوقف الحرب؛ أهمها انسداد الأفق، وأسوأها الاقتراب من نهاية المُهلة الخاصة بحقّه فى إطلاق عمليات عسكرية دون مراجعة الكونجرس، بنهاية أبريل الجارى.
على أنه بالهُدنة أعاد شحن البطارية من جديد، وصار بإمكانه البدء من الصفر فى حلقة ثانية؛ لو أراد، مع مُتّسع من شهرين جديدين.
والغالب أنه لن يُجدّد المحاولة، ورسالته واضحة بأنه لا ينشغل بالاتفاق، سواء نجح فى إبرامه أو أخفق؛ لأنه المنتصر فى كل الأحوال.
يتحلّل من مأزقه، ويُسوّق سردية تعفيه من الحاجة لإشهار البندقية مُجدّدًا؛ وإن ظل الاحتمال قائمًا بالمناسبة، وربما بنسبة مطابقة لما كان فى أعلى لحظات الخطر.
واستشعار الطرف الآخر لإحجامه عن تجديد الصدام ثانية، يُغذّى لدى ميليشيا الحرس اندفاعة لاختبار إغراءات التصلّب، لا سيما مع رمادية ميدانية، وقفزة مُغريةٍ بالقبض على خِناق هُرمز.
كان المضيق احتمالا؛ فصار واقعا ثقيلاً. وبقدر ما يُعزز من أوراق إيران التفاوضية، ويضغط على أعصاب الأمريكيين؛ فقد ينزلق بهم إلى فخٍّ لا يحسبون حسابه، ويتحول من فرصة إلى عبء، ومن قوّة لنقطة ضعف قاتلة.
الولايات المُتحدة لن تحتمل إغلاقه، ولا خصخصته. والعالم يستنفد صبره، وأقصى قدرة لديه على غض الطرف عن موردٍ حيوى، لا يستقيم الاقتصاد وأسواق الطاقة بدونه، وقد يكون ذلك مُقدّمة لجبهة أوسع ممّا يتخيّل رومانسيو الثورة المُعمّمة ودُعاة تصديرها.
لا نعرف هل كان التفاوض جادًّا أم لا؛ إنما الأكيد أنه عُقد تحت سقف منخفض، فى الثقة وضغط الوقت، ما جعل العملية هشّة، كالهُدنة، وكأىّ اتفاق مُعجّلٍ أو مُؤجّل.
الحشد البشرى الهائل يُعبّر عن نزوع الجانبين إلى «الصفقة الشاملة»، وبطبعها تتطلّب قدرًا من التنازل، والمقاصّة بين الاستحقاقات والالتزامات.
وإذ تعطّلت الحرب عن إنجاز دورها، بمعنى الحسم وفرز الفائز من المهزوم؛ فإنهما يسعيان لتظهير النتائج على طاولة السياسة، ما يُعزز التصلُّب، ويُفرّغ العملية من مضمونها، ويجعل من المستحيل التوصُّل لمساحة وسط بين التوازنات الحالية.
تربح واشنطن لو حسمت مصير مخزون اليورانيوم ونسبة التخصيب والعلاقة مع الوكلاء، وتنهزم لو انتزعت طهران ما هو أفضل من اتفاق 2015، أو ما كان قائمًا قبل الحربين الأخيرتين.
والمُهلة الباقية فسحة للنزول عن الشجرة، أو التحضّر لرقصة ثانية، تُعيد تعديل الأوزان وعناصر القوّة، قبل الالتجاء إلى التفاوض مُجددا.
حشد الإيرانيون لبنان بين أوراقهم؛ فتركه الأمريكيون رهينة عند الإسرائيليين. ورغم تواطؤ الحزب على الدولة، ودفعه لإبقائها تحت رحمة الملالى؛ فالورشة النشطة تسعى لفصلها عن رأس المُمانَعة.
وآلية التطويق قابلة لإعادة الإنتاج؛ إن لم تتجدّد المعارك. بالحصار البحرى، وتشديد العقوبات، وتجميد حركة شحن النفط فى جزيرة خرج، وغيرها من وسائل القتل الناعمة.
وقف النار هشّ، والاتفاق لن يقل هشاشة، بل قد يزيد. وتتساوى فُرص الصفقة النهائية أو اتصال الصراع. فيما تُرسّخ إيران طابعها العسكرى، واختزال الدولة بملاليها وساستها تحت قبّعة الحرس.
يدفع ترامب ثمن أخطائه، وانسياقه وراء نتنياهو وأطماعه المتوحشة. والجمهورية الإسلامية دفعت الكثير؛ غير أنها تُخطئ لو تصوّرت أنها سدّدت كل ما عليها، أو تخطّت أسوأ المخاطر والاحتمالات.