قياتى عاشور

طلاق البدايات.. ضريبة السوشيال ميديا والهشاشة النفسية!

الإثنين، 13 أبريل 2026 10:41 ص


تتصاعد في الآونة الأخيرة ظاهرة مجتمعية بالغة الخطورة، تدق ناقوس الخطر بقوة في أروقة محاكم الأسرة، وتهدد استقرار نسيجنا الاجتماعي، ألا وهي ظاهرة "الطلاق المبكر" أو انهيار الزيجات الحديثة في شهورها وعامها الأول. لم يعد الزواج في كثير من الحالات ذلك الميثاق الغليظ الذي يُبنى على المودة والرحمة والمشاركة الحقيقية، بل تحول للأسف الشديد إلى تجربة هشة، ومشروع قصير الأجل ينتهي مع أول صدام حقيقي، تاركاً وراءه ندوباً نفسية واجتماعية غائرة في نفوس الطرفين، وأحياناً أطفالاً يدفعون فاتورة التسرع.


ولعل السبب الأبرز وراء هذا التصدع السريع يكمن في "الصورة الذهنية المزيفة" التي رسمتها منصات التواصل الاجتماعي لشكل الحياة الزوجية. لقد أصبح الشاب والفتاة يدخلان إلى قفص الزوجية محملين بتوقعات خيالية ومثالية مفرطة، مستمدة من صور المشاهير واللقطات الوردية التي تُصدر السعادة المطلقة وتخفي حقيقة الحياة اليومية بمسؤولياتها وتحدياتها وأعبائها. وما إن يصطدم الزوجان بأرض الواقع، وتتلاشى نشوة البدايات المليئة بالاحتفالات، حتى تبدأ صدمة اكتشاف الآخر بعيداً عن أقنعة فترة الخطوبة، وتتحول الاختلافات الطبيعية في الطباع إلى أزمات مستعصية تُعجل بطلب الانفصال.


وتمتد جذور هذه الأزمة العميقة لتشمل ما يمكن تشخيصه بـ "الهشاشة النفسية" وضعف القدرة على تحمل المسؤولية لدى بعض شرائح الأجيال الجديدة. فقد نشأ قطاع عريض من الشباب في بيئات أسرية توفر لهم الحماية المفرطة وتجنبهم مشقة مواجهة الصعاب، مما أفقدهم "الصلابة النفسية" اللازمة لإدارة الأزمات الزوجية وتجاوز العقبات. وفي ظل غياب ثقافة التنازل المتبادل، وتضخم "الأنا" لدى كل طرف، واستسهال خيار الطلاق باعتباره الحل الأسرع والأسهل للهروب من الضغوط، تتهاوى أركان الأسرة الحديثة أمام أول اختبار حقيقي يواجهها تحت سقف واحد.

 

ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور المحوري، والسلبي أحياناً، الذي تلعبه التدخلات العائلية في إذكاء نيران الخلافات الزوجية المبكرة. فبدلاً من أن يكون الأهل مظلة حكيمة لاحتواء الصراعات، وتوجيه الزوجين حديثي العهد بكيفية استيعاب بعضهما البعض، يتحولون في كثير من الأحيان إلى أطراف فاعلة في الصراع دفاعاً عن أبنائهم بتعصب أعمى، مما يعقد المشهد ويغلق أبواب الصلح. يتزامن ذلك مع طغيان النزعة الاستهلاكية والمقارنات المادية التي ترهق كاهل الزوج الشاب بالديون، وتولد شعوراً دائماً بعدم الرضا لدى الزوجة، لتتحول الحياة المشتركة إلى ساحة لتصفية الحسابات والمطالبات التي لا تنتهي.


إن مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة تتطلب وقفة مجتمعية جادة وحازمة لإعادة الاعتبار لقيمة الأسرة ومكانتها. تقع على عاتقنا جميعاً، كأسرة ومؤسسات تعليمية ودينية، بل ومؤسسات الدولة المعنية ببناء الوعي، مسؤولية كبرى في تأهيل الشباب المقبلين على الزواج نفسياً واجتماعياً، ونشر ثقافة الحوار، وتقبل الاختلاف، وإدارة الغضب. فالزواج ليس مجرد حفل زفاف أسطوري، أو صور تُنشر لحصد الإعجابات الافتراضية، بل هو رحلة حياة ممتدة تتطلب الوعي، والصبر، والاستعداد الحقيقي لبناء كيان قوي قادر على الصمود في وجه عواصف الحياة، وتخريج أجيال سوية تقود مستقبل مجتمعنا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة