وليد عبد السلام

"صفقة الروشتة".. المريض يدفع ثمنها

الإثنين، 13 أبريل 2026 02:06 م


في قلب المنظومة الصحية، تقف علاقة الطبيب بالمريض كأحد أقدس الروابط الإنسانية والمهنية على الإطلاق. علاقة تقوم في الأساس على الثقة، وعلى التزام أخلاقي راسخ يُعرف تاريخيًا بـ قسم أبقراط، ذلك العهد الذي يُلزم الطبيب بأن تكون مصلحة المريض فوق أي اعتبار، ماديًا كان أو معنويًا. لكن، في ظل التغيرات المتسارعة التى يشهدها سوق الدواء عالميًا ومحليًا، بات هذا المبدأ مهددًا لدى البعض.

 

لا يمكن إنكار أن هناك شريحة من الأطباء ما زالت تمارس مهنتها بشرف ونزاهة، واضعةً مصلحة المريض فوق كل شيء لكن في المقابل، تبرز ممارسات مقلقة تشير إلى وجود “علاقات منفعة” أو ما يُعرف بـ"الديلز" بين بعض الأطباء وشركات الأدوية، حيث يتم الترويج لأدوية بعينها ليس بناءً على كفاءتها الطبية فقط، بل نتيجة اتفاقات تحقق مكاسب للطرفين.

 

في هذه الحالة، يتحول الطبيب – الذي يفترض أن يكون صاحب قرار مستقل – إلى أداة تسويقية، ويصبح المريض هو الحلقة الأضعف، يدفع ثمن هذه العلاقة من صحته وماله. فبدلاً من أن يحصل على الدواء الأنسب والأكثر فعالية، قد يجد نفسه أمام وصفات طبية تميل لصالح شركة بعينها، حتى وإن كانت هناك بدائل أخرى بنفس المادة الفعالة وربما بسعر أقل وجودة مماثلة.

 

الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات تخلق بيئة غير عادلة داخل سوق الدواء شركات صغيرة أو متوسطة، قد تقدم أدوية عالية الجودة وبأسعار تنافسية، تجد نفسها خارج المنافسة فقط لأنها لا تملك ميزانيات تسويقية ضخمة أو لا تنخرط في هذه “الاتفاقات غير المعلنة” وفي المقابل، تتصدر شركات أخرى المشهد، ليس بالضرورة بسبب تفوق علمي، بل بسبب قدرتها على التأثير في قرارات بعض مقدمي الخدمة الطبية.

 

هنا، لا نتحدث فقط عن خلل أخلاقي فردي، بل عن خلل في منظومة يحتاج إلى تدخل حاسم فالرقابة الصارمة على العلاقة بين شركات الدواء والأطباء لم تعد رفاهية، بل ضرورة لحماية المريض وضمان عدالة السوق ويجب أن تكون هناك آليات واضحة وشفافة تنظم هذه العلاقة، وتمنع أي تضارب في المصالح.

 

كما أن إعادة النظر في دور مندوبي شركات الأدوية أصبح أمرًا ملحًا. فبدلاً من الزيارات الفردية التي قد تفتح الباب للمجاملات أو المصالح، يمكن قصر التواصل على المؤتمرات العلمية والندوات الجماعية، حيث يتم عرض المعلومات بشكل مهني وتحت رقابة علمية، بعيدًا عن أي تأثيرات شخصية.

 

ولا يقل دور المؤسسات الصحية والجهات التنظيمية أهمية، وعلى رأسها هيئة الدواء المصرية، التي يقع على عاتقها وضع سياسات أكثر صرامة، وتفعيل أدوات الرقابة والمحاسبة، لضمان أن تكون الوصفة الطبية نابعة من احتياج المريض فقط، لا من أي اعتبارات أخرى.

 

في النهاية، تظل الرسالة الأهم: الطب ليس تجارة، بل رسالة. والطبيب ليس مسوّقًا، بل صاحب أمانة وأي انحراف عن هذا المسار، حتى وإن بدا محدودًا، يهدد ثقة المجتمع بأكمله في المنظومة الصحية وإذا كان هناك من يدفع الثمن في هذه المعادلة، فهو دائمًا المريض… الذي يستحق أن يكون أولًا، ودائمًا، فوق كل اعتبار.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة