أندريه زكى

مخارج الموت

الأحد، 12 أبريل 2026 03:07 م


فى زمنٍ تتعاظم فيه مشاهد الألم، وتتردد فيه أخبار الحروب والأزمات، يبدو الموت -بكل صوره- وكأنه الحقيقة الأقوى التى تفرض نفسها على الواقع، كأنه يحاصر الشعوب والمجتمعات دون مَخرَجٍ، لكن فى قلب هذا المشهد، يأتى الاحتفال بقيامة السيد المسيح ليقدّم رؤية مختلفة تماما؛ رؤية لا تنكر الموت، لكنها تعلن أن له «مخارج»، وأنه لم يعد الكلمة الأخيرة.

فى المزمور الثامن والستين والآية العشرين، يقول داود الملك: «اَللهُ لَنَا إِلهُ خَلاَصٍ، وَعِنْدَ الرَّبِّ السَّيِّدِ لِلْمَوْتِ مَخَارِجُ»، وفكرة «مخارج الموت» تعبّر عن فهم عميق لمعنى القيامة، فالإيمان بالقيامة لا يعنى الهروب من واقع الألم أو تجاهل حقيقة النهاية الجسدية، بل يعنى أن الموت نفسه لم يعد طريقا مغلقا، بل صار مَعْبَرا، لقد تغيَّر موقع الموت فى قصة الإنسان: من نهاية حتمية إلى محطة ضمن مسار أوسع تقوده الحياة.

حين نتأمل الحياة البشرية، نجد أنها منذ بدايتها سلسلة من التحولات، يولد الإنسان من رحمٍ مغلق إلى عالمٍ مفتوح، ثم ينتقل من مرحلة إلى أخرى، من الطفولة إلى الشباب، ومن الشباب إلى النضج. فى كل مرحلة، هناك شيء ينتهى ليبدأ شىء آخر، وكأن الحياة نفسها تحمل فى داخلها «مخارج» متتالية، يخرج فيها الإنسان من حال إلى حال.

لكن هذه التحولات لا تخلو من القلق؛ فالإنسان لا يخاف الموت فقط، بل يخاف الفقد، والتغير، وعدم اليقين، وفى عالمنا المعاصر، تتضخم هذه المخاوف بسبب ما نراه ونسمعه يوميّا من أخبار مؤلمة، حتى يصبح الخوف نفسه ثقافة تحاصر الإنسان من كل جانب.

هنا تأتى القيامة لتقدّم إجابة مختلفة، فهى لا تعد بعالم بلا ألم، لكنها تعلن أن الألم ليس النهاية. ولا تنكر وجود الموت، لكنها تكشف أنه فقد سلطانه المطلق. القيامة، فى جوهرها، إعلان أن هناك دائما مَخرَجا، حتى من أكثر اللحظات ظلمة.

هذا الفهم يغيّر طريقة نظرنا إلى الحياة، فإذا كان الموت نفسه له مخرج، فكم بالحرى الأزمات اليومية، والضغوط الاقتصادية، والتحديات التى نواجهها فى مسيرة حياتنا؟ الإيمان بالقيامة لا يجعل الإنسان يتجاهل هذه التحديات، بل يمنحه قوة داخلية لمواجهتها دون أن يستسلم لها.

ومن زاوية أخرى، تدعونا القيامة إلى إعادة النظر فى الطريقة التى نحكم بها على النهايات. كثيرا ما يميل الإنسان إلى تقييم الحياة من خلال لحظاتها الأخيرة، أو من خلال شكل النهاية. لكن القيامة تعلن أن النهاية ليست دائما كما تبدو، وأن ما يبدو خسارة قد يحمل فى داخله بداية جديدة.

الحياة، فى ضوء القيامة، لا تُقاس بلحظة واحدة، بل بمسار كامل، ليست العبرة بكيف تنتهى الأمور فى لحظة معينة، بل بالاتجاه العام للحياة، وبالرجاء الذى يحمله الإنسان فى داخله. فالنهاية، مهما بدت قاسية، ليست قادرة على إلغاء قيمة الرحلة كلها.

كما أن القيامة لا تكتفى بتقديم رجاء فردى، بل تدعو إلى موقف جماعى، إذا كنا نؤمن بأن الموت قد فقد سلطانه، فإن هذا يدعونا إلى أن نكون صانعى حياة فى عالم يميل إلى العنف واليأس، أن ندعم الاستقرار، وأن نتمسك بالسلام، وأن نساند بعضنا البعض فى مواجهة الضغوط، هو تعبير عملى عن الإيمان بالقيامة.
فى هذا الإطار، تصبح «مخارج الموت» ليست مجرد فكرة لاهوتية، بل أسلوب حياة، أن يبحث الإنسان عن النور وسط الظلام، وأن يرى إمكانية التغيير رغم صعوبة الواقع، وأن يتمسك بالرجاء حتى فى أحلك الظروف، هو انعكاس حى لروح القيامة.

القيامة لا تلغى الواقع، لكنها تعيد تفسيره. تجعلنا نرى ما وراء الألم، وما بعد النهاية، وما فوق الخوف، تمنحنا قدرة على الاستمرار، لا لأن الطريق سهل، بل لأننا نؤمن أن نهايته ليست فى يد الموت، بل فى يد الحياة.

وهكذا، فى احتفالنا بقيامة المسيح، لا نحتفل بذكرى حدثٍ مضى، بل نعلن حقيقة حاضرة: أن لكل موت مخرجا، ولكل ضيق نهاية، وأن الحياة - فى النهاية - هى التى تنتصر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة