حازم حسين

قيامة المسيح وبهجة أبنائه الطيبين

الأحد، 12 أبريل 2026 02:00 م


العالم ينقصه الرجاء، وما أحوجنا جميعًا إليه اليوم. قالها البابا تواضروس الثانى فى رسالة تهنئته لشعب الكنيسة القبطية بعيد القيامة المجيد، وأؤكد قوله وأُقفّى عليه؛ إذ الواقع بائس كئيب، ولا مَنجى للبلاد والعباد إلا بالأمل!

يحتفل شطر من المصريين، وعضو أصيل فى الجسد الواحد، بأقدس أيام المسيحية ومعانيها. عندما تقدّم ابن العذراء مريم نائبًا عن الناس، وفداء لهم؛ ليخلصهم من عبء الخطية، ويزيح ثِقَلها عن كتف البشرية.

ومقام التهنئة يغلب على الكلام فى لاهوت المسيح وناسوته، أو التطفّل السمج على أهل العيد، كما يفعل البعض، بمحاكمة اعتقاد المُحتفل فى دينه، قياسا على ما يعتقده المُتطفّل بشأن قائده ورمزه الروحى.

بالحقيقة قام، وإلى السماء صعد. والأخيرة شِركة مع الفهم الإسلامى، وتفصيل مُتمّم لمعجزة "يسوع" الآتى على غير مثال، وبغير ما عُرِف واستقر عن الولادة البيولوجية.

القيامة ولادة إعجازية ثانية، والفداء شفاعة استباقية، والمواطنة فى مساحاتنا المشتركة، لا تقل قدسية عن الدين فى الحيز الفردى الخاص.

ويظل المعنى نفسه قيمةً ثمينة، ذات دلالات عميقة، وصالحة للاستلهام على كل المستويات.

الانعتاق من قيود المادة، القطيعة مع التردّى، والجرأة على انتهاج مسارات تأسيسية غير ما اعتاده الآخرون.

التجدد وإعادة اختراع ما نظنّه بديهيات راسخة. والسباحة عكس التيّار، بدلا من الاستسلام للغرق دون مقاومة.

اللغة غير مُحايدة على الإطلاق، والانتقال فيما بين اللغات يحمل من الدوال ما لا تستوعبه واحدة بمفردها.

يُعرَف العيد فى العبرية والآرامية بتسميتى: الفصح والبصخة، ومعناهما العبور. القيامة جسر، وعبور بين ضفتين: الكفر والإيمان، الخطيّة والتوبة، الموت والحياة، الخراف الضالة والراعى الصالح.

كل انتقال صاعد من حال إلى حال فصح وقيامة. كل أمل جديد تنزاح به الصخرة، وينفرج القبر عن ضوء ووصيّة، وكل انتصار للشخص على نفسه معجزة.

المسيحية لم تُنَحّ الشيطان جانبًا؛ لكنها لم تُبرّئ الإنسان تماما. سردية الحدث ورمزيّته قدّمت الفيزيقى على الغيبى، وأخرجت الأسرار العليا من كهوفها المظلمة؛ لتجرى عيانا على الملأ.

شرّ الكتبة والفريسيين والعشّارين، ومؤامرة السنهدرين، إنكار بطرس، وطمع يهوذا وخيانته.

تتجسّد الحكاية لحمًا ودمًا، ويتجلّى ضعف البشر وتركيبهم المُعقّد بأوضح الصور، وبدون إسناد إلى متهمين غائبين.

إدانة الرياء فى لعنه لشجرة التين، ونزوله عن الكبرياء بغسل أقدام تلاميذه. المحاكمة المُوجّهة سلفا، والباعة والمرابون فى ساحة الهيكل؛ تلخيصًا لاستغلال الدين، ولاتخاذ المقدس ستارًا للمُدنّس.

كل القيم حاضرة: فداء المسيح، وفاء الحواريين، ضعف المٌنكر، ونَدم الخائن، والخطيّة بأعلى صورها ممثلة فى الانتحار.

فضلا على معانٍ أخرى عِدّة، بين العذراء والمجدليّة والنسوة المُكرّزات، وما فى بقية مشهد القيامة وأطيافه، على الظاهر القصصى، وفى الجوهر اللاهوتى العميق.

يحتفل الإخوة، وعلينا أن نبتهج لبهجتهم. ما نجتمع فيه أضعاف ما نختلف عليه، وفى المسيح قبل سواه. أتى من الله ومضى إليه، وتنوّع زوايا النظر للكيفية، لا يمس طهرانية الرمز، وسموّ الدلالة، وقدسية العلاقة الواصلة بين السماء والأرض.

وأشد ما أبتهج له؛ أن تهنئة رئيس الوزراء فى برقيته لبابا الإسكندرية، صِيغَت بمُغايرة أتمنّى أن نُداوم عليها فى المستقبل، وأقصد الوصف بالمواطنين، لا الإخوة المسيحيين.

ولا تناقض بين استخدامى للصفة فى فقرة، وامتداح إسقاطها فى التالية؛ إذ ما بيننا كأفراد تُظلله المواطنة، ويضبطه القانون، ولا غِنى فيه عن "الإخوة" عنوانًا وممارسة.

غير أن مُمثّل السلطة التنفيذية ينطلق من موقعه المؤسسى المُحايد، بالصفة الاعتبارية لا الشخصية، أى من جهة أنه ينوب عن الدولة، بأكثر مِمّا يُعبّر عن شخص الدكتور مدبولى.

والدولة لا مسلمة ولا مسيحية؛ إنما مدنية، لا فارق بين الأغلبية من سكانها وغيرهم. ويغلُب الحياد على سلوك المؤسسات فعلاً، ويتجلّى بوضوح عند أعلى قيادة فى البلاد، أى رئيس الجمهورية.

قطعت مصر شوطًا عظيمًا على طريق المساواة، وما تزال، وأنجزت فى ملف تقنين الكنائس، وبصدد العكوف على مشروع قانون للأحوال الشخصية.

تحقق الكثير، ويتبقى الكثير أيضًا. فى دور العبادة، والمجال العام، ودولاب الدولة والأكاديميا ووظائف الدرجة العُليا، وحتى الأندية وفرق الكُرة.

ولا ضرر فى أن يكون عيد القيامة إجازة رسمية عامّة، بجُملة الإجازات، وستكون فائدته المعنوية أعلى من كُلفته المادية دون شَكّ.

سيبقى المسيح قيمة عظيمة بالحضور والأثر، وبما طبعه على وجه العالم من رسائل كُبرى ومعانٍ سامية، جوهرها المحبة والفداء، ورهانها أن تمضى الإنسانية مُتحللة من عبء الخطية، قادرة على التجدد والانبعاث؛ لتعود الخراف الضالة دومًا إلى منبع النهر الصافى.

كل عام وأقباط مصر الأقباط بكل خير.. وعيد قيامة مجيد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة