محمد فرج أبو العلا

عيد القيامة المجيد.. تدبر آية

الأحد، 12 أبريل 2026 08:43 ص


يأتى عيد القيامة المجيد، ذلك اليوم الذي يرمز إلى انتصار الحياة على الموت، والنور على الظلمة، والأمل على اليأس، ليحمل لنا في جوهره رسالة إنسانية خالدة تتجاوز حدود العقيدة لتصل إلى أعماق النفس البشرية، حيث تتجلى قدرة الله في إحياء القلوب قبل الأجساد، وفي بعث الرجاء بعد الألم. 

ولعل أجمل ما يمكن أن نتأمله في هذه المناسبة هو ما ورد في سورة مريم، تلك السورة التي خلدت قصة ميلاد السيد المسيح عليه السلام، وجعلت منها آيةً ورحمةً للناس، كما قال تعالى: "قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا. قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا".

الآية الكريمة تختصر جوهر الإيمان فى أن قدرة الله لا تحدها الأسباب، وأن رحمته تسبق أمره، وأن المعجزات ليست خوارق للعادة فحسب، بل رسائل روحية تذكّر الإنسان بضعفه أمام الخالق، وبأن الأمل يولد من رحم المستحيل. 

في قصة مريم عليها السلام، تتجلى أسمى معاني الطهر والإيمان، فهي امرأة اصطفاها الله لتكون أمًّا لنبيٍّ كريم، رغم ما واجهته من شكوك الناس وظنونهم.

حين حملت بعيسى عليه السلام، اعتزلت قومها في مكان قصيّ، وواجهت وحدها ألم المخاض والخوف والدهشة، حتى جاءها النداء الإلهي: "أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا".

إنها لحظة تتجلى فيها الرحمة الإلهية في أبهى صورها؛ فالله الذي خلقها وابتلاها هو ذاته الذي أنزل عليها السكينة، وأطعمها من رزقه، وأمرها ألا تحزن.

في هذه الآيات درس عميق لكل إنسان يمر بلحظة ضعف أو خوف، أن الله لا يترك عباده في محنتهم، بل يرسل لهم من رحمته ما يطمئن قلوبهم ويقوّي عزيمتهم. 

ثم تأتي اللحظة التي ينطق فيها الطفل في المهد، فيقول: "قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا".

كلمات قليلة لكنها تحمل جوهر الرسالة السماوية.. عبودية لله، ونبوة، وبركة، وصلاة، وزكاة، ورحمة بالناس. إنها رسالة القيامة الحقيقية، فالمسيح عليه السلام لم يكن رمزًا للموت، بل رمزًا للحياة التي تتجدد بالإيمان والعمل الصالح. 

وفي قوله تعالى: "وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا".. يتجلى المعنى الأسمى للسلام الإلهي الذي يحيط بالإنسان في كل مراحل وجوده.. الميلاد، الموت، والبعث.. إنها دورة الحياة التي لا تنتهي، بل تتجدد في كل لحظة من لحظات الإيمان. 

عيد القيامة ليس مجرد ذكرى دينية، بل هو دعوة للتأمل في معنى البعث الروحي، فكل إنسان يمكن أن يمر بقيامة داخلية حين ينهض من ضعفٍ أو يأسٍ أو خطأ، ويبدأ حياة جديدة بالإيمان والرجاء.

القيامة هي لحظة استيقاظ القلب بعد غفلة، وانبعاث النور بعد ظلمة، وهي في جوهرها تجسيد لمعنى قوله تعالى: "وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا"، كما أن القيامة المجيدة تذكّرنا بأن الحياة لا تنتهي بالموت، وأن الرحمة الإلهية تمتد إلى ما بعد الفناء، لتمنح الإنسان فرصة الخلود في عالمٍ أسمى، حيث السلام والعدل والنور. 

في هذا اليوم المبارك، تتلاقى القلوب على معنى واحد يجمع بين الأديان السماوية: الرحمة. فالقرآن الكريم والإنجيل كلاهما يدعوان إلى المحبة، وإلى الإيمان بالله الواحد، وإلى العمل الصالح الذي يرفع الإنسان فوق حدود الطين إلى آفاق الروح. 

إن ميلاد المسيح عليه السلام في القرآن ليس مجرد حدث تاريخي، بل هو تجلٍّ للرحمة الإلهية التي أراد الله أن يهبها للبشر جميعًا، كما قال تعالى: "وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا"

أرى أن عيد القيامة المجيد ليس مناسبة دينية فحسب، بل فرصة لتجديد الإيمان، وللتأكيد على أن الأديان جميعها تنبع من نبعٍ واحد هو نبع المحبة الإلهية التي لا تعرف حدودًا. 

وفي ظل عالمٍ يموج بالصراعات والاضطرابات، تأتي رسالة القيامة لتذكّر الإنسان بأن السلام يبدأ من الداخل، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من القلب. فكما قام المسيح من الموت إلى الحياة، يمكن لكل إنسان أن يقوم من غفلته إلى وعيه، ومن أنانيته إلى إنسانيته، ومن ظلمه إلى عدله. 

إن القيامة المجيدة ليست حدثًا ماضيًا، بل هي دعوة متجددة إلى النهوض، إلى أن نعيد اكتشاف معنى الحياة في ضوء الإيمان، وأن نزرع الأمل في أرضٍ أنهكها اليأس. 

في عيد القيامة المجيد، نتأمل في قول الله تعالى في سورة مريم، ونستشعر أن كل ميلاد هو قيامة، وكل بعث هو وعدٌ جديد بالحياة. فكما قال المسيح عليه السلام: "وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ".. فلنجعل من حياتنا بركة أينما كنا، ولنجعل من هذا اليوم مناسبة لتجديد العهد مع الله، ومع أنفسنا، ومع الإنسانية جمعاء. 

عيد القيامة هو عيد النور، عيد الرحمة، عيد الأمل الذي لا يموت. فلتكن هذه المناسبة دعوة للتأمل في آيات الله، وللتسامح والمحبة بين الناس، وللإيمان بأن السلام ممكن حين يسكن القلب قبل أن يسكن الأرض.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة